تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
وحصل الإمداد بالفعل في وقعة بدر كما تقدم ذكره ، وسيأتي مزيد تفصيل له في سورة الأنفال . وربما سأل سائل عن الفارق بين اليومين فقال : لم أمدّ اللّه المؤمنين يوم بدر بملائكة يثبتون قلوبهم ، وحرمهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب ! وجوابنا عن هذا أن المؤمنين كانوا يوم بدر في قلة وذلة من الضعف والحاجة ، فلم يكن لهم اعتماد إلا على اللّه ، وما وهبهم من قوة في أبدانهم ونفوسهم ، وما أمرهم به من الثبات والذكر إذ قال :
« إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ »
. ولم يكن في نفوسهم تطلع إلى شئ سوى النصر ، وإقامة الدين والدفاع عن حوزته . فكانت أرواحهم بهذا الإيمان مستعدة لقبول الإلهام من أرواح الملائكة والتقوّى بالاتصال بها . أما في يوم أحد فقد كان بعضهم في أول القتال قريبا من الافتتان بما كان من المنافقين ، ومن ثم همت طائفتان منهم أن تفشلا ، ولكن اللّه ثبتهما وباشرا القتال مع بقية المؤمنين حتى انتصروا وهزموا المشركين ، ثم خرج بعضهم عن التقوى وخالفوا أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم وطمعوا في الغنيمة وتنازعوا في الأمر ففشلوا وضعف استعداد أرواحهم ، فلم ترتق إلى الاستمداد من أرواح الملائكة ، فلم يكن لهم منهم مدد . وحكمة ما حصل تمحيص المؤمنين كما سيأتي في قوله
( وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ )
الآية ، وتربيتهم بالفعل على إقامة سنن اللّه تعالى في ارتباط الأسباب بالمسببات ، ومعرفة أن هذه السنن حاكمة حتى على الرسول ، وأن قتل الرسول أو موته لا ينبغي أن يثبط الهمم ، ولا يدعو إلى الانقلاب على الأعقاب ، وأن كل ما يصيب العباد من مصائب فهو نتيجة عملهم ، وعقوبة طبيعية على أفعالهم ، إلى نحو ذلك من الأسرار التي ستعلمها بعد .