تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
( وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ )
أي قتل سلفهم لهم ، وإنما نسبه إليهم للإشارة إلى أنهم راضون بما فعلوه . وهذا يدل على أن الأمم متكافلة في الأمور العامة ، ويجب على أفرادها الإنكار على من يفعل المنكر وتغييره أو النهى عنه ، لئلا يفشو فيها ، فيصير خلقا من أخلاقها وعادة مستحكمة فيها ، فتستحق العقوبة في الدنيا بالضيق والفقر ، والعقوبة في الآخرة بتدنيس نفوسها ، وأن المتأخر إذا لم ينظر إلى عمل المتقدم ويطبقه على أحكام الشريعة فيستحسن منها ما تستحسنه ، ويستهجن ما تستهجنه - عدّ شريكا له في إثمه ، ومستحقا لمثل عقوبته .
( وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ )
أي سننتقم منهم ونقول لهم هذه المقالة . ذاك أنهم لما قالوا ما قالوا وقتلوا من الأنبياء من قتلوا ، فقد أذاقوا المسلمين وأتباع الأنبياء ألوانا من العذاب ، وأحرقوا قلوبهم بلهب الإيذاء والكرب ، فجوزوا بهذا العذاب الشديد وقيل لهم : ذوقوا عذاب الحريق ، كما أذقتم أولياء اللّه في الدنيا ما يكرهون . والخلاصة - ذوقوا ما أنتم فيه ، فلستم بمتخلصين منه ، وهذا قول يلقى للتشفى الدالّ على كمال الغيظ والغضب
( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ )
أي إن هذا العذاب المحرق الذي تذوقون حرارته ، بسبب أعمالكم في الدنيا كقتل الأنبياء ، ووصف اللّه بالفقر ، وجميع ما كان منكم من ضروب الكفر والفسوق والعصيان . وأضاف العمل إلى الأيدي ، من قبل أن أكثر أعمال الإنسان تزاول باليد وليفيد أن ما عذّبوا عليه هو من عملهم على الحقيقة ، لا أنهم أمروا به ولم يباشروه .
( وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ )
أي إن ذلك العذاب أصابكم بعملكم ، وبكونه تعالى عادلا في حكمه وفعله ، لا يجور ولا يظلم ، فلا يعاقب غير المستحق للعقاب ، ولا يجعل المجرمين كالمتقين ، والكافرين كالمؤمنين كما قال :
« أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا