تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
وهذا التفاوت على مراتب ودرجات يعلو بعضها بعضا ابتداء من الرفيق الأعلى الذي طلبه النبي صلى اللّه عليه وسلم في مرض موته إلى الدرك الأسفل . وهذه الدرجات أثر طبيعي لارتقاء الأرواح أو تدليها بالأعمال الصالحة أو السيئة .
( وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ )
فلا يخفى عليه شئ من أعمالهم التي لها التأثير العظيم في تزكية نفوسهم وفوزها وفلاحها وارتقائها إلى أرفع الدرجات - أو في تدسيتها التي يترتب عليها الخيبة والخسران والهبوط إلى أسفل الدركات كما قال :
( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها )
. ولا يعلم هذه الدرجات إلا من أحاط بكل شئ علما ، لأنه هو الذي لا يخفى عليه أثر من آثار الأعمال في الأنفس ، ولا ما يختلج القلوب من الخواطر والهواجس . وبعد أن نفى الغلول والخيانة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم على أبلغ وجه أكد ذلك بهذه الآية .
( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ )
أي إن هذا الرسول ولد في بلدهم ، ونشأ بين ظهرانيهم ، ولم يروا منه طوال حياته إلا الصدق والأمانة والدعوة إلى اللّه والإعراض عن الدنيا ، فكيف يظن بمن هذه حاله خيانة وغلول ؟ . وقد وصفه اللّه بأوصاف كل منها يقتضى عظيم المنة : ( 1 ) إنه من أنفسهم أي إنه عربى من جنسهم ، وبذا يكونون أسرع الناس إلى فهم دعوته والاهتداء بهديه ، وأقرب إلى الثقة به من غيرهم ، إلى أنهم إذا كانوا على كثب منه وقفوا على أحواله من الصدق والأمانة ، إلى ما لهم بذلك من شرف وجليل خطر كما قال تعالى
( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ )
وقال :
وكم أب علا بابن ذا شرف * كما علت برسول اللّه عدنان
وقد خطب أبو طالب في تزويج خديجة رضي اللّه عنها للنبي صلى اللّه عليه وسلم بمحضر من بني هاشم ورؤساء مضر ، فقال :