تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
وجاء حكم التوفية في الجزاء عاما لكل كاسب ، وإن كان الكلام في جزاء الغالّ فحسب - ليكون كالدليل على المقصود من استيفائه الجزاء ، فإنه إذا كان كل كاسب مجزيّا بعمله لا ينقص منه شئ وإن كان جرمه حقيرا ، فالغال مع عظم جرمه أولى بذلك . وقد أردف اللّه توفية ما كسبته كل نفس بالتفصيل الآتي ليبين أن جزاء المطيعين ليس كجزاء المسيئين ، فقال :
( أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ؟ )
أي أفمن اتقى وسعى في تحصيل رضا اللّه بفعل الطاعات ، وترك الغلول وغيره من الفواحش والمنكرات حتى زكت نفسه وصفا روحه - يكون جزاؤه كجزاء من انتهى أمره إلى سخط اللّه ، وعظيم غضبه ، بفعل ما يدسى نفسه من الخطايا من سرقة وغلول وسلب وقتل ، وترك ما يطهرها من فعل الخيرات وعمل الصالحات ؟ . ثم صرح بالفارق بينهما فقال :
( وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )
أي ومأواه الذي يأوى إليه ، ولا مرجع له غيره ، هي جهنم وساءت منقلبا ومرجعا ومآبا . ونظير هذه الآية قوله تعالى :
« أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ »
وقوله :
« أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ، أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ »
.
( هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ )
أي إن كلا ممن اتبع رضوان اللّه ومن باء بغضب من اللّه طبقات مختلفة ، ومنازل عند اللّه متفاوتة في حكمه ، وبحسب علمه بشئونهم وبما يستحقون من الجزاء
« يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ »
. والخلاصة - إن الناس يتفاوتون في الجزاء عند اللّه كما يتفاوتون في الفضائل والمعرفة في الدنيا ، وما يترتب على ذلك من الأعمال الحسنة أو السيئة .