تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 81

مساهمون:

ص٨١
أخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال : لما نزل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
( لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ )
اشتد ذلك على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم جثوا على الركب ، فقالوا : أي رسول اللّه كلّفنا من الأعمال ما نطيق - الصلاة والصيام والجهاد والصدقة - وقد أنزل اللّه هذه الآية ولا نطيقها ، فقال رسول اللّه : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ؟ فلما قرأها القوم وذلّت ( لانت ) بها ألسنتهم أنزل اللّه في إثرها
« آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ »
الآية ، قال فلما فعلوا ذلك نسخها اللّه فأنزل
« لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها »
إلى آخرها . وقوله نسخها اللّه : أي أزال ما أخافهم من الآية الأولى وحوّله إلى وجه آخر . وقد قال الصحابة ما قالوا لأنهم قد دخلوا في الإسلام وكثير منهم تربّوا في حجر الجاهلية وانطبعت في نفوسهم أخلاقها ، وأثرت في قلوبهم عاداتها ، وكانوا يتطهرون منها بالتدريج بهدى الرسول ونور القرآن ، فلما نزلت هذه الآية خافوا أن يؤاخذوا على ما كان باقيا في أنفسهم من العادات الأولى ، وكانوا يحاسبون أنفسهم لاعتقادهم النقص وخوفهم من اللّه عزّ وجل ، حتى أثر عن عمر بن الخطاب أنه كان يسأل حذيفة بن اليمان هل يجد فيه شيئا من علامات النفاق ؟ فأخبرهم اللّه تعالى بأنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ولا يؤاخذها إلا على ما كلفها ، وهم مكلفون بتزكية أنفسهم ومجاهدتها بقدر الطاقة ، وطلب العفو عما لا طاقة لهم به . وقد يكون بعضهم خاف أن تدخل الوسوسة والشبهة قبل التمكن من دفعها فيما تشمله الآية ، فكان ما بعدها مبينا لغلطهم في ذلك .
( فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ )
أي فهو يغفر بفضله لمن يشاء أن يغفر له ، وبعذب بعدله من يشاء أن يعذبه ، واللّه إنما يشاء ما فيه الرحمة والعدل ، ومن العدل