تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
على حقيقتها - ومن أوتى ذلك عرف الفرق بين وعد الرّحمن ووعد الشيطان ، وعضّ على الأول بالنواجذ وطرح الثاني وراءه ظهريا . وقد فسر حبر الأمة عبد اللّه بن عباس الحكمة بالفقه في القرآن أي معرفة ما فيه من الهدى والأحكام بأسراره وحكمه ، ومن فقه ما ورد في الإنفاق وفوائده وآدابه من الآيات - لا يكون وعد الشيطان له الفقر وأمره إياه بالبخل مانعا له من البذل والإنفاق . والآية الكريمة رافعة شأن الحكمة بأوسع ما لها من المعاني ، وهادية إلى استعمال العقل في أشرف ما خلق له .
( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً )
أي ومن يوفقه اللّه لهذا النوع النافع من العلم ، ويرشده إلى هداية العقل ، ويوجهه الوجهة الصحيحة - فقد هدى إلى خيرى الدنيا والآخرة ، فهو يسخر القوى التي خلقها اللّه له من سمع وبصر وشعور ووجدان في النافع من الأشياء ، ويعدّها لتنفيذ ما يرغب فيه ، ثم بعدئذ يفوض الأمر إلى بارئه الذي فطره وسوّاه ، ومنه مبدؤه وإليه منتهاه ، وبهذا لا يستسلم لوساوس الشيطان ، ولا يقض مضجعه ما يجده من مكدرات الحياة وآلامها ، ولا ما تسوقه إليه من محنها وأرزائها ، اعتقادا منه أن كل شئ بقضاء اللّه وقدره ، وبهذا يستريح باله ، وتهدأ ثائرته ، ويجد في قلبه بردا وسلاما لمزعجات الليالي والأيام .
( وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ )
أي ولا يتعظ بالعلم ويتأثر به ، ويجعل الإرادة مصرفة له ، خاضعة لمشيئته ، إلا ذوو العقول السليمة ، والنفوس التي تغوص في بحر الحقائق ، وتستخرج منها ما هو نافع في هذه الحياة ، وبه سعادتها ، وتجعله سلما ترقى به في معارج الفلاح لتصل به إلى خير العقبى - حشرنا اللّه في زمرة أولئك