تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها » والمراد أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود بحيث يتأثر منه إلا مريم وابنها ، فإن اللّه تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة ، ونحوه حديث شق الصدر وغسل القلب بعد استخراج حظ الشيطان منه ، إذ معناه أنه لم يبق للشيطان نصيب من قلبه صلى اللّه عليه وسلم ولو بالوسوسة
( فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ )
أي فتقبل مريم من أمها ورضى أن تكون محررة للعبادة وخدمة بيته على صغرها وأنوثتها ، وكان التحرير لا يجوز إلا لغلام عاقل قادر على خدمة البيت .
( وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً )
أي رباها ونماها بما يصلح أحوالها كما يربّى النبات في الأرض الصالحة بعد تعهد الزراع إياه بالسقي وقلع ما يضعفه من النبات الطفيلي . وهذه التربية تشمل التربية الروحية والجسدية ، فقد نمى جسدها فكانت خير لداتها جسما وقوة ، كما نماها صلاحا وعفة وسداد رأى .
( وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا )
أي جعله كافلا لمصالحها وقائما بشئونها .
( كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً )
أي كلما دخل زكريا محرابها وجد ألوانا من الطعام لم تكن توجد في مثل تلك الأحيان . روى أنه كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف ، وليس لدينا مستند صحيح من كتاب أو سنة يؤيد هذه الروايات الإسرائيلية .
( قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا ؟ )
أي قال من أين لك هذا والأيام أيام جدب وقحط .
( قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )
الذي يرزق الناس جميعا بتسخير بعضهم لبعض ، وقد جرى العرف في كل زمان بإضافة الرزق إلى اللّه ، وليس في هذا دلالة على أنه من خوارق العادات . وسيق هذا القصص لتقرير نبوة النبي صلى اللّه عليه وسلم ودحض شبه أهل الكتاب الذين احتكروا فضل اللّه وجعلوه خاصا بشعب إسرائيل ، ودحض شبهة المشركين الذين أنكروها لأنه بشر