البرهان ، فظل المشركون على جهلهم وأهل الكتاب في غرورهم ، فعليك أن تلجأ إلى اللّه تعالى وترجع إليه بالدعاء والثناء ، وتتذكر أنه بيده الأمر يفعل ما يشاء .
روى الواحدي عن ابن عباس وأنس بن مالك أنه لما افتتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم ، فقال المنافقون واليهود : هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس والروم ، هم أعز وأمنع من ذلك ، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم ؟ فأنزل اللّه تعالى هذه الآية .
الإيضاح
( قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ )
أي أنت ربنا سبحانك لك السلطان الأعلى والتصرف التام في تدبير الأمور وإقامة ميزان النظام العام في الكائنات ، فأنت تؤتي الملك من تشاء من عبادك ، إما تبعا للنبوة كما وقع لآل إبراهيم وإما بالاستقلال بحسب السنن الحكيمة الموصلة إلى ذلك واتباع الأسباب الاجتماعية بتكوين القبائل والشعوب ، وتنزع الملك ممن تشاء بانحراف الناس عن الطريق السوىّ الحافظ للملك من العدل وحسن السياسة وإعداد القوة بقدر المستطاع ، كما نزعه من بني إسرائيل وغيرهم بظلمهم وفسادهم .
( وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ )
للعزة آثار وللذل مثلها ، فالعزيز يكون نافذ الكلمة كثير الأعوان مالكا للقلوب بجاهه أو علمه النافع للناس ، مع بسطة في الرزق وإحسان إلى الخلق .
والذليل يرضى بالضيم والمهانة ، ويضعف عن حماية الحريم ، ومقاومة العدو المهاجم ، ولا عز أعظم من عز الاجتماع والتعاون على نشر دعوة الحق ومقاومة الباطل إذا سار المجتمعون على السنن التي سنها اللّه لعباده ، فأعدّوا لكل أمر عدته ، ولا عبرة بكثرة عدد الأمة وقلته في تكوين العزة واجتماع القوة ، فقد كان المشركون في مكة واليهود ومنافقوا العرب في المدينة يغترون بكثرتهم على النبي صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين ،