تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 186 ]

وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ( 186 )

المعنى الجملي

لما طالب اللّه عباده في الآية السابقة بصوم الشهر وإكمال العدّة ، وحثهم على التكبير ليعدّوا أنفسهم للشكر ، عقب بهذه الآية للدلالة على أنه خبير بأحوالهم ، سميع لأقوالهم ، فيجيب دعوة الداعين ويجازيهم بأعمالهم ، وفي هذا حثّ لهم على الدعاء ، وقد روى أن سبب نزول الآية أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سمع المسلمين يدعون اللّه بصوت رفيع في غزوة خيبر فقال لهم : « أيها الناس اربعوا على أنفسكم ، فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائبا ، إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم » . ويستفاد من هذه الآية أنه لا ينبغي رفع الصوت في العبادات إلا بالمقدار الذي حدده الشرع في الصلاة الجهرية ، وهو أن يسمعه من بالقرب منه ، فمن تعمد المبالغة في الصياح حين الدعاء ، كان مخالفا لأمر ربه وأمر نبيه .
( وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ )
قرب اللّه من عباده إحاطة علمه بكل شئ ، فهو يسمع أقوالهم ويرى أعمالهم ، أي ذكّر أيها الرسول عبادي بما يجب أن يراعوه في هذه العبادة وغيرها من الطاعة والإخلاص والتوجه إلىّ وحدي بالدعاء ، وأخبرهم بأني قريب منهم ليس بيني وبينهم حجاب ، ولا ولىّ ولا شفيع يبلغني دعاءهم وعبادتهم ، أو يشاركنى في إجابتهم وإثابتهم ، وأجيب دعوة من يدعوني بلا وساطة أحد إذا هو توجه إلىّ وحدي في طلب حاجته ، لأننى أنا الذي خلقته وأعلم ما توسوس به نفسه والعارف بالشريعة وبسنن اللّه في خلقه ، لا يقصد بدعائه إلا هدايته إلى الأسباب التي توصله إلى تحصيل رغباته ونيل مقاصده ، فهو إذا سأل اللّه أن يزيد في رزقه ، فهو لا يقصد أن تمطر له السماء ذهبا وفضة ، وإذا سأله شفاء مريضه الذي أعياه علاجه ، فإنه
تفسير المراغي — صفحة 75 | أحمد مصطفى المراغي