تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
طلبوا القصاص حتى لا تحملهم الضغينة على الانتقام بأيديهم إذا قدروا . ، فيكثر الاعتداء ويعيشون في تباغض وفوضى تستباح فيها الدماء .
( فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ )
أي فاتباع العفو بالمعروف واجب على العافي وغيره ، وعليه ألا يرهق القاتل من أمره عسرا ، بل يطلب منه الدية بالرفق والمعروف الذي لا يستنكره الناس ، وكذلك لا يمطل القاتل ولا ينقص ولا يسئ في كيفية الأداء ، ويجوز العفو عن الدية أيضا كما قال : « ودية مسلّمة إلى أهله إلّا أن يصّدّقوا » .
( ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ )
أي ذلك الحكم الذي شرعناه لكم من العفو عن القاتل والاكتفاء بقدر من المال ، تخفيف ورخصة من ربكم ورحمة لكم ، وأي رحمة أفضل من العطف والعفو والامتناع عن سفك الدماء .
( فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ )
أي فمن اعتدى وانتقم من القاتل بعد العفو والرضى بالدية ، فله عذاب أليم من ربه يوم القيامة ، يوم لا تغنى نفس عن نفس شيئا . وبعد أن ذكر حكمة العفو والرغبة فيه ، وذكر الوعيد على الغدر ، أرشد إلى بيان الحكمة في القصاص ، إذ أن ذلك أدعى إلى ثبات الحكم في النفس ، وأدعى إلى الرغبة في العمل به فقال :
( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ )
أي إن في القصاص الحياة الهنيئة ، وصيانة الناس من اعتداء بعضهم على بعض ، إذ من علم أنه إذا قتل نفسا يقتل بها ، يرتدع عن القتل فيحفظ حياة من أراد قتله وحياة نفسه ، والاكتفاء بالدية لا يردع كل أحد عن سفك دم خصمه إن استطاع ، إذ من الناس من يبذل المال الكثير للإيقاع بعدوه . وقد أثر عن العرب كلمات تفيد معنى الآية كقولهم : القتل أنفى للقتل ، وقولهم : قتل البعض إحياء للجميع ، وقولهم : أكثروا القتل ليقلّ القتل ، ولكن الآية أخصر