تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
وإذا قتل عبد عبدا قتل به لا سيده ولا أحد الأحرار من قبيلته ، وكذلك تقتل المرأة إذا قتلت ولا يقتل أحد فداء منها . والخلاصة - إن القصاص على القاتل أيا كان لا على أحد من قبيلته ، ولا فرد من أفراد عشيرته . قال البيضاوي في تفسيره : كان بين حيين من العرب دماء في الجاهلية ، وكان لأحدهما طول ( فضل وشرف ) على الآخر ، فأقسموا لنقتلنّ الحرّ منكم بالعبد والذكر بالأنثى ، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم فنزلت الآية وأمرهم أن يتبارءوا ( يتساووا ) . وقد جرى العمل من لدن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على قتل الرجل بالمرأة ، والحر بالعبد إذا لم يكن سيده ، فإن كان هو عزّر بشدة تمنع أمثال هذا الاعتداء ، ولا يقتل الوالد بولده ، لأن المقصد من القصاص ردع الجاني عن الاستمرار في مثل هذه الجناية ، والوالد بفطرته مجبول على الشفقة على ولده حتى ليبذل ماله وروحه في سبيله ، وقلما يقسو عليه ، ولكن كثيرا ما يقسو الولد على والده ، وللحاكم أن يعزر قاتل ولده بما يراه زاجرا لأمثاله ومربّيا لهم . وبعد أن ذكر وجوب القصاص وهو أساس العدل ، ذكر هنا العفو وهو مقتضى التراحم والفضل قال :
( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ )
أي فمن عفى له عن جنايته من جهة أخيه ولىّ الدم ، ولو كان العافي واحدا إن تعددوا وجب اتباعه وسقط القصاص ، وقد جعل هذا الحق لأولياء المقتول وهم عصبته الذين يعتزون بوجوده ، ويهانون بفقده ، ويحرمون من رفده وعونه ، فمن أزهق روحه كان لهم أن يطلبوا إزهاق روحه ، إذ تحفزهم إلى ذلك النّعرة القومية والمصلحة ، فإذا طلبوا ولم يقتصّ الحاكم ، فربما احتالوا للانتقام ، وفشا التشاحن والخصام ، ولكن إن جاء العفو من جانبهم أمنت الفتنة ، وليس للحاكم أن يمتنع من العفو إذا رضوا به ، ولا أن يستقلّ بالعفو إذا