تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
ركن عظيم من أعمال البرّ ، ومن ثمّ أجمع الصحابة على محاربة مانعى الزكاة من العرب بعد وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأن مانعها يهدم ركنا من أركان الإسلام ، وينقض أساس الإيمان . وقد افتنّ الناس في منعها بما سموه حيلا شرعية ، وهي ليست من الشرع في شئ ، فكيف يؤكد اللّه علينا الزكاة ويذكرها في كتابه سبعين مرّة ، ثم يرضى أن نحتال عليه ونخادعه في تركها ، فلم إذا فرض وأوجب ، ورغّب ورهّب ؟ وأحرى بمثل هذه الحيل أن تسمى حيلا شيطانية لا حيلا شرعية ، لأن فيها احتيالا على اللّه في إبطال فريضته . ومن ذلك أن يأتي المزكى قبل تمام الحول ( وهو شرط في وجوب الزكاة ) بيوم أو يومين ويهب ماله لامرأته على أن ترده إليه بعد ذلك الميقات المضروب ، وهو بهذا يدكّ صرح الكتاب والسنة ، ويزعم مع هذا أنه مسلم مؤمن باللّه ورسوله وكتابه . وقد بينت السنة العملية والقولية قدر المأخوذ وحددته بمقدار 1 / 40 من رأس المال ، وسبيل الأخذ ، وسائر أحكام الزكاة . وبعد أن ذكر البر في الأعمال ذكر البر في الأخلاق ، فقال :
( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا )
أي والذين يوفون بعهودهم إذا عاهدوا عليها ، وهذا شامل لما يعاهد عليه الناس بعضهم بعضا ، ولما يعاهد عليه المؤمنون ربهم من السمع والطاعة لكل ما جاء به في دينه ، ولا يجب الوفاء به إذا كان في معصية . ومثل العهود العقود ، فيجب علينا الوفاء بها ما لم تكن مخالفة لقواعد الدين العامة . وفي الوفاء بالعهود والعقود حفظ كيان المجتمع من أن ينفرط عقده ، كما أن الغدر والإخلاف فيها هادم للنظام ، مفسد للعمران ؛ فما من أمة فقدت الوفاء بالعهد ( وهو ركن الأمانة وقوام الصدق ) إلا حل بها العقاب الإلهى ، فانتزعت الثقة من بين أفرادها حتى بين الأهل والعيال ، فيعيشون متخاذلين وكأنهم وحوش مفترسة ، ينتظر كل واحد وثبة الآخر عليه ، إذا أمكن يده أن تصل إليه ، ومن ثمّ يضطر أفرادها إلى الاستيثاق في عقودهم بكل ما يقدرون عليه ، ويحترس كل منهم من غدر الآخر ، فلا يكون هناك
تفسير المراغي — صفحة 58 | أحمد مصطفى المراغي