تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
وبعد بيان أحكام اليمين العامة انتقل إلى حكم يمين خاصة هي يمين الإيلاء فقال :
( لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ )
أي للذين يحلفون ألا يقربوا نساءهم أن ينتظروا مدة أربعة أشهر دون أن يطالبوا بالرجوع إلى نسائهم أو بالطلاق . والحلف على هذا الوجه حلف بما لا يرضى اللّه تعالى ، لما فيه من ترك التوادّ والتراحم بين الزوجين ، ولما يترتب عليه من المفاسد في أنفسهما وفي عيالهما ، ولما فيه من امتهان المرأة وهضم حقوقها . وقد كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية ، كان الرجل لا يحب امرأته ولا يحب أن يتزوجها غيره ، فيحلف ألا يقربها أبدا ، ويتركها لا هي أيّم ولا هي ذات بعل ، وكان المسلمون في ابتداء الإسلام يفعلون مثل هذا ، فأزال اللّه ذلك الضرر عنهنّ ، وضرب للزوج مدة يتروّى فيها ، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارّة فعله ، وإن رأى المصلحة في المفارقة فارقها .
( فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
أي فإن رجعوا إلى نسائهم وحنثوا في اليمين وقاربوهنّ في أثناء هذه المدة أو في آخرها ، فإن اللّه يغفر لهم ما سلف برحمته الواسعة ، لأن الفيئة توبة في حقهم ، فيغفر لهم إثم حنثهم عند التكفير .
( وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ )
أي وإن عزموا ألا يعودوا إلى ملامسة المرأة ، وثبتوا على ترك القربان حتى مضت المدة ، فإن اللّه سميع لإيلائهم وطلاقهم ، عليم بنياتهم ، فليراقبوه فيما يفعلون ، فإن كانوا يريدون بذلك إيذاء النساء ومضارتهنّ فهو يتولى عقابهم ، وإن كان لهم عذر شرعي بأن كان الباعث على الإيلاء تربيتهنّ لإقامة حدود اللّه ، وعلى الطلاق اليأس من إمكان العشرة ، فاللّه يغفر لهم . وخلاصة ذلك - إن من حلف على ترك غشيان امرأته ، لا يجوز له أن يتربص أكثر من أربعة أشهر ، فإن تاب وعاد قبل انقضائها لم يكن عليه إثم ، وإن أتمها تعين عليه أحد أمرين : الفيئة والرجوع إلى المعاشرة الزوجية أو الطلاق ، وعليه أن