تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى )
أي أرشدناهم إلى طريق الخير والشر فاختاروا الثاني الذي عبر عنه بالعمى . وهناك نوع آخر من الهداية وهو المعونة والتوفيق للسير في طريق الخير ، وهي التي أمرنا اللّه بطلبها في قوله :
( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ )
إذ المراد - دلّنا دلالة تصحبها من لدنك معونة غيبية تحفظنا بها من الوقوع في الخطأ والضلال . وهذه الهداية خاصة به سبحانه لم يمنحها أحدا من خلقه ، ومن ثمّ نفاها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله :
( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ )
وقوله :
( لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ )
وأثبتها لنفسه في قوله :
( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ )
. أما الهداية بمعنى الدلالة على الخير والحق ، مع بيان ما يعقب ذلك من السعادة والفوز والفلاح ، فهي مما تفضل اللّه بها على خلقه ومنحهموها ، ومن ثم أثبتها للنبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله :
( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ )
. هذا - والصراط المستقيم هو جملة ما يوصل إلى السعادة في الدنيا والآخرة من عقائد وأحكام وآداب وتشريع ديني كالعلم الصحيح باللّه والنبوة وأحوال الكون وأحوال الاجتماع - وقد سمّى هذا صراطا مستقيما تشبيها له بالطريق الحسى ، إذ كل منهما موصل إلى غاية ، فهذا سير معنوي يوصل إلى غاية يقصدها الإنسان ، وذاك سير حسىّ يصل به إلى غاية أخرى . وقد أرشدنا اللّه إلى طلب الهداية منه ، ليكون عونا لنا ينصرنا على أهوائنا وشهواتنا بعد أن نبذل ما نستطيع من الجهد في معرفة أحكام الشريعة ، ونكلف أنفسنا الجري على سننها ، لنحصل على خيرى الدنيا والآخرة .
( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ )
الذين أنعم اللّه عليهم هم النبيون والصدّيقون والصالحون من الأمم السالفة ، وقد أجملهم هنا وفصلهم في مواضع عدة من