( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ )
الهداية هي الدلالة على ما يوصل إلى المطلوب ، والصراط هو الطريق ، والمستقيم ضد المعوجّ ، وهو ما فيه انحراف عن الغاية التي يجب على سالكها أن ينتهى إليها .
وهداية اللّه للإنسان على ضروب :
( 1 ) هداية الإلهام ، وتكون للطفل منذ ولادته ، فهو يشعر بالحاجة إلى الغذاء ويصرخ طالبا له .
( 2 ) هداية الحواس ، وهاتان الهدايتان يشترك فيهما الإنسان والحيوان الأعجم ، بل هما في الحيوان أتمّ منهما في الإنسان ، إذ إلهامه وحواسه يكملان بعد ولادته بقليل ، ويحصلان في الإنسان تدريجا .
( 3 ) هداية العقل ، وهي هداية أعلى من هداية الحس والإلهام ، فالإنسان قد خلق ليعيش مجتمعا مع غيره ، وحواسّه وإلهامه لا يكفيان لهذه الحياة ، فلا بد له من العقل الذي يصحح له أغلاط الحواس ، ألا ترى الصفراوي يذوق الحلو مرّا ، والرائي يبصر العود المستقيم في الماء معوجّا .
( 4 ) هداية الأديان والشرائع ، وهي هداية لا بد منها لمن استرقّت الأهواء عقله ، وسخّر نفسه للذاته وشهواته ، وسلك مسالك الشرور والآثام ، وعدا على بنى جنسه ، وحدث بينه وبينهم التجاذب والتدافع - فبها يحصل الرشاد إذا غلبت الأهواء العقول ، وتتبين للناس الحدود والشرائع ، ليقفوا عندها ويكفّوا أيديهم عما وراءها - إلى أن في غرائز الإنسان الشعور - بسلطان غيبى متسلّط على الأكوان ، إليه ينسب كل ما لا يعرف له سببا ، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة ، وهو بعقله لا يدرك ما يجب لصاحب هذا السلطان ، ولا يصل فكره إلى ما فيه سعادته في هذه الحياة فاحتاج إلى هداية الدين التي تفضل اللّه بها عليه ووهبه إياها .
وإلى تلك الهدايات أشار الكتاب الكريم في آيات كثيرات كقوله :
( وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ )
أي طريقي الخير والشر والسعادة والشقاء . وقوله :
( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ