تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
وهذا منهم جحود لأن يكون ما أوتيه من القرآن وغيره من المعجزات آيات كافيات في إثبات ما ادّعى من النبوة .
( كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ )
أي ومثل هذه الأسئلة التي يراد بها التعنت لإجلاء الحقيقة ، قد قالها من قبلهم من الأمم الماضية ، فقد قال اليهود لموسى :
( أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً )
، و
( لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ )
إلى نحو ذلك ، وقالت النصارى :
( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ )
فهذه أقوال صدرت عنهم للتشهى واتباع الهوى تعنّتا وعنادا لا للوصول إلى كشف غامض وجلاء حقيقة كما قال تعالى :
( وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ )
. ثم ذكر السبب في اتحاد مقالهم ومقال من سبقهم فقال :
( تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ )
أي تماثلت قلوب هؤلاء وقلوب من قبلهم في العمى والقسوة والعناد ، والألسنة ترجمان القلوب ، والقلب إذا استحكم فيه الكفر والعمى لا يجرى على لسان صاحبه إلا ما ينبئ بالتباعد عن الإيمان من معاذير لا تجدى ، وتعلّات لا تفيد . فالحق واحد ، ومخالفته هي الضلال وهو واحد وإن تعددت طرقه واختلفت وجوهه ، وآثاره تتشابه حين تصدر عن الضالين حتى كأنهم متواصون به فيما بينهم كما قال تعالى :
( أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ )
.
( قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ )
أي إننا لم نتركك بلا آية ، بل بينا للناس الآيات على يديك بما لا يدع مجالا للريب لدى طالبى الحق بالدليل والبرهان ، ولديهم الاستعداد للعلم واليقين ، ولن يكون هذا إلا لمن صفت نفوسهم ، وسلموا من العناد والمكابرة اللّذين يمنعان من وصول نور الحق إلى القلوب ، وقد كان كبار الصحابة يراجعون النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما لم يظهر لهم دليله ، لأنهم طبعوا على معرفة الحق بالبينة .