أي إنه لاحظ لهم من الكتاب إلا قراءة الألفاظ من غير فهم للمعنى ولا تدبر له بحيث يظهر أثرهما في العمل ، وهذا على حدّ قوله :
( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً )
.
( وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ )
أي وما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظنّ من غير أن يصلوا إلى مرتبة العلم المبنى على البرهان القاطع الذي لا شكّ فيه .
وقد كانوا أكثر الناس جدلا ومراء في الحق وإن كان بيّنا ظاهرا ، وأشدّهم كذبا وغرورا وأكلا لأموال غيرهم بالباطل من ربا فاحش وغشّ وتدليس ، وهم مع ذلك يعتقدون أنهم أفضل الناس كما يعتقد أشباههم في هذا الزمان .
( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ )
الويل كلمة يقولها من يقع في هلكة ، وهي دعاء على النفس بالعذاب كما جاء في قوله تعالى حكاية عن الكافرين
( يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ )
.
أي هلاك عظيم لأولئك العلماء الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون لعوامّهم .
هذا المحرّف من عند اللّه في التوراة .
( لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا )
أي ليأخذوا لأنفسهم في مقابلة هذا المحرّف ثمنا وهي الرّشا التي كانوا يأخذونها جزاء ما صنعوا ، ووصف الثمن بالقلة وقد يكون كثيرا ، لأن كل ما يباع به الحق ويترك لأجله فهو قليل ، لأن الحق أثمن الأشياء وأغلاها .
وقد روى أن الآية نزلت في أحبار اليهود الذين خافوا أن تذهب رياستهم بإبقاء صفة النبي في التوراة فغيّروها .
ثم كرر الوعيد فقال :
( فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ )
أي فلهم عقوبة عظيمة من أجل كتابتهم هذا المحرّف ، وويل لهم من أخذهم الرشوة وفعلهم للمعاصي .