تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
إفادة الحكم لأن كون ما سبق إنذارا أمر معلوم للمخاطبين . وافتتح الخبر بحرف التأكيد للمبالغة في الإعذار بتنزيلهم منزلة من يتردد في ذلك . وجعل المسند فعلا مسندا إلى الضمير المنفصل لإفادة تقوّي الحكم ، مع تمثيل المتكلم في مثل المتبرئ من تبعه ما عسى أن يلحق المخاطبين من ضرّ إن لم يأخذوا حذرهم مما أنذرهم به كما يقول النذير عند العرب بعد الإنذار بالعدوّ « أنا النذير العريان » . والإنذار : الإخبار بحصول ما يسوء في مستقبل قريب . وعبر عنه بالمضي لأن أعظم الإنذار قد حصل بما تقدم من قوله :
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً لِلطَّاغِينَ مَآباً
إلى قوله :
فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً
[ النبأ : 21 - 30 ] . وقرب العذاب مستعمل مجازا في تحققه وإلا فإنه بحسب العرف بعيد ، قال تعالى :
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً
[ المعارج : 6 ، 7 ] ، أي لتحققه فهو كالقريب على أن العذاب يصدق بعذاب الآخرة وهو ما تقدم الإنذار به ، ويصدق بعذاب الدنيا من القتل والأسر في غزوات المسلمين لأهل الشرك . وعن مقاتل : هو قتل قريش ببدر . ويشمل عذاب يوم الفتح ويوم حنين كما ورد لفظ العذاب لذلك في قوله تعالى :
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
[ التوبة : 14 ] وقوله :
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ
[ الطور : 47 ] .
يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
يجوز أن يتعلق بفعل :
اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً
[ النبأ : 39 ] فيكون
يَوْمَ يَنْظُرُ
ظرفا لغوا متعلقا ب
أَنْذَرْناكُمْ
ويجوز أن يكون بدلا من
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا
[ النبأ : 38 ] لأن قيام الملائكة صفّا حضور لمحاسبة الناس وتنفيذ فصل القضاء عليهم وذلك حين ينظر المرء ما قدمت يداه ، أي ما عمله سالفا فهو بدل من الظرف تابع له في موقعه . وعلى كلا الوجهين فجملة
إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً
معترضة بين الظرف ومتعلقه أو بينه وبين ما أبدل منه . والمرء : اسم للرجل إذ هو اسم مؤنثه امرأة . والاقتصار على المرء جري على غالب استعمال العرب في كلامهم ، فالكلام خرج