تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
[ 39 ]

[ سورة النبأ ( 78 ) : آية 39 ]

ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً ( 39 ) استئناف ابتدائي كالفذلكة لما تقدم من وعيد ووعد ، إنذار وتبشير ، سيق مساق التنويه ب
يَوْمَ الْفَصْلِ
[ النبأ : 17 ] . الذي ابتدئ الكلام عليه من قوله :
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً
[ النبأ : 17 ] . والمقصود التنويه بعظيم ما يقع فيه من الجزاء بالثواب والعقاب وهو نتيجة أعمال الناس من يوم وجود الإنسان في الأرض . فوصف اليوم بالحق يجوز أن يراد به الثابت الواقع كما في قوله تعالى :
وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ
[ الذاريات : 6 ] قوله آنفا :
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً
، فيكون
الْحَقُّ
بمعنى الثابت مثل ما في قوله تعالى :
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ
[ الأنبياء : 97 ] . ويجوز أن يراد بالحق ما قابل الباطل ، أي العدل وفصل القضاء فيكون وصف اليوم به على وجه المجاز العقلي إذ الحق يقع فيه واليوم ظرف له قال تعالى :
يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ
[ الممتحنة : 3 ] . ويجوز أن يكون الحق بمعنى الحقيق بمسمى اليوم لأنه شاع إطلاق اسم اليوم على اليوم الذي يكون فيه نصر قبيلة على أخرى مثل : يوم حليمة ، ويوم بعاث . والمعنى : ذلك اليوم الذي يحق له أن يقال : يوم ، وليس كأيام انتصار الناس بعضهم على بعض في الدنيا فيكون كقوله تعالى :
ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ
[ التغابن : 9 ] ، فهو يوم انتقام اللّه من أعدائه الذين كفروا نعمته وأشركوا به عبيده في الإلهية ويكون وصف الحق بمثل المعنى الذي في قوله تعالى :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ
[ البقرة : 121 ] ، أي التلاوة الحقيقة باسم التلاوة وهي التلاوة بفهم معاني المتلوّ وأغراضه . والإشارة بقوله :
ذلِكَ
إلى اليوم المتقدم في قوله :
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً
[ النبأ : 17 ] . ومفاد اسم الإشارة في مثل هذا المقام التنبيه على أن المشار إليه حقيق بما سيوصف به بسبب ما سبق من حكاية شؤونه كما في قوله تعالى :
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ
[ البقرة : 5 ] بعد قوله :
هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
إلى قوله :
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
[ البقرة : 2 - 4 ] ، فلأجل جميع ما وصف به
يَوْمَ الْفَصْلِ
كان حقيقا بأن يوصف بأنه
الْيَوْمُ الْحَقُّ
وما تفرع عن ذلك من قوله :
فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً
وتعريف
الْيَوْمُ
باللام للدلالة على معنى الكمال ، أي هو الأعظم من بين ما يعده الناس من أيام النصر للمنتصرين لأنه يوم يجمع فيه الناس كلهم ويعطى كل واحد منهم ما