تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
ويجوز أن تكون الآية استئنافا ابتدائيا جرى على مناسبة ذكر عذاب الإنسان المشرك فتكون خطابا من اللّه تعالى لنفوس المؤمنين المطمئنة . والأمر في
ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ
مراد منه تقييده بالحالين بعده وهما
راضِيَةً مَرْضِيَّةً
وهو من استعمال الأمر في الوعد والرجوع مجاز أيضا ، والإضمار في قوله :
فِي عِبادِي
وقوله :
جَنَّتِي
التفات من الغيبة إلى التكلم . وقال بعض أهل التأويل : نزلت في معيّن . فعن الضحاك : أنها نزلت في عثمان بن عفان لما تصدق ببئر رومة . وعن بريدة : أنها نزلت في حمزة حين قتل . وقيل : نزلت في خبيب بن عديّ لما صلبه أهل مكة . وهذه الأقوال تقتضي أن هذه الآية مدنية ، والاتفاق على أن السورة مكية إلا ما رواه الدّاني عن بعض العلماء أنها مدنية ، وهي على هذا منفصلة عما قبلها كتبت هنا بتوقيف خاص أو نزلت عقب ما قبلها للمناسبة . وعن ابن عباس وزيد بن حارثة وأبيّ بن كعب وابن مسعود : أن هذا يقال عند البعث لترجع الأرواح في الأجساد ، وعلى هذا فهي متصلة بقوله :
إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ
[ الفجر : 21 ] إلخ كالوجه الذي قبل هذا ، والرجوع على هذا حقيقة والرب مراد به صاحب النفس وهو الجسد . وعن زيد بن حارثة وأبي صالح : يقال هذا للنفس عند الموت . وقد روى الطبري عن سعيد بن جبير قال : قرأ رجل عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
فقال أبو بكر : ما أحسن هذا ؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أما إنّ الملك سيقولها لك عند الموت » . وعن زيد بن حارثة أن هذا يقال لنفس المؤمن عند الموت تبشر بالجنة . والنفس : تطلق على الذات كلها كما في قوله تعالى :
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
[ الزمر : 56 ] وقوله :
وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
[ الأنعام : 151 ] وتطلق على الروح التي بها حياة الجسد كما في قوله :
إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف : 53 ] . وعلى الإطلاقين توزع المعاني المتقدمة كما لا يخفى . و
الْمُطْمَئِنَّةُ
: اسم فاعل من اطمأن إذا كان هادئا غير مضطرب ولا منزعج ، فيجوز أن يكون من سكون النفس بالتصديق لما جاء به القرآن دون تردد ولا اضطراب بال فيكون