تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
صبرا عناق إنه لشر باق * فقد سنّ لي قومك ضرب الأعناق « 1 »
وقامت الحرب بنا على ساق وقال مجاهد :
يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ
: شدّة الأمر . وجملة
وَيُدْعَوْنَ
ليس عائدا إلى المشركين مثل ضمير
إِنَّا بَلَوْناهُمْ
[ القلم : 17 ] إذ لا يساعد قوله :
وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ
فإن المشركين لم يكونوا في الدنيا يدعون إلى السجود . فالوجه أن يكون عائدا إلى غير مذكور ، أي ويدعى مدعوون فيكون تعريضا بالمنافقين بأنهم يحشرون مع المسلمين ويمتحن الناس بدعائهم إلى السجود ليتميز المؤمنون الخلص عن غيرهم تميز تشريف فلا يستطيع المنافقون السجود فيفتضح كفرهم ، قال القرطبي عن قيس بن السكن عن عبد اللّه بن مسعود : فمن كان يعبد اللّه مخلصا يخرّ ساجدا له ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأنّ في ظهورهم السفافيد ا ه . فيكون قوله تعالى :
وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ
إدماجا لذكر بعض ما يحصل من أحوال ذلك اليوم . و في « صحيح مسلم » من حديث الرؤية وحديث الشفاعة عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد للّه من تلقاء نفسه إلّا أذن اللّه له بالسجود ، ولا يبقى من كان يسجد رياء إلّا جعل اللّه ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه » الحديث ، فيصلح ذلك تفسيرا لهذه الآية . وقد اتبع فريق من المفسرين هذه الرواية وقالوا : يكشف اللّه عن ساقه ، أي عن مثل الرجل ليراها الناس ثم قالوا هذا من المتشابه ، على أنه روي عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى :
عَنْ ساقٍ
قال يكشف عن نور عظيم يخرون له سجدا . ورويت أخبار أخرى ضعيفة لا جدوى في ذكرها . و
السُّجُودِ
الذي يدعون إليه : سجود الضراعة والخضوع لأجل الخلاص من أهوال الموقف . وعدم استطاعتهم السجود لسلب اللّه منهم الاستطاعة على السجود ليعلموا أنهم لا رجاء لهم في النجاة . والذي يدعوهم إلى السجود الملائكة الموكلون بالمحشر بأمر اللّه تعالى كقوله
هامش
( 1 ) شربق مقلوب شبرق أي مزق ويقال : ثوب شرباق كقرطاس .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 92 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور