تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
وفي هذا إدماج بالتعريض بأنهم أمّيّون ليسوا أهل كتاب وأنهم لما جاءهم كتاب لهديهم وإلحاقهم بالأمم ذات الكتاب كفروا نعمته وكذبوه قال تعالى :
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
[ الأنبياء : 10 ] وقال :
أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ
[ الأنعام : 157 ] . وجملة
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ
في موضع مفعول
تَدْرُسُونَ
على أنها محكي لفظها ، أي تدرسون هذه العبارة كما جاء قوله تعالى :
وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ
[ الصافات : 78 ، 79 ] أي تدرسون جملة
إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ
. ويكون
فِيهِ
توكيدا لفظيا لنظيرها من قوله :
فِيهِ تَدْرُسُونَ
، قصد من إعادتها مزيد ربط الجملة بالتي قبلها كما أعيدت كلمة ( من ) في قوله تعالى :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً
[ النحل : 67 ] وأصله : تتخذون سكرا . و
تَخَيَّرُونَ
أصله تتخيرون بتاءين ، حذفت إحداهما تخفيفا . والتخير : تكلف الخير ، أي تطلب ما هو في أخير . والمعنى : إن في ذلك الكتاب لكم ما تختارون من خير الجزاء . [ 39 ]

[ سورة القلم ( 68 ) : آية 39 ]

أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ ( 39 )
أَمْ
للانتقال إلى دليل آخر وهو نفي أن يكون مستند زعمهم عهدا أخذوه على اللّه لأنفسهم أن يعاملهم يوم القيامة بما يحكمون به لأنفسهم ، فالاستفهام اللازم تقديره بعد
أَمْ
إنكاري و
بالِغَةٌ
مؤكّدة . وأصل البالغة : الواصلة إلى ما يطلب بها ، وذلك استعارة لمعنى مغلظة ، شبهت بالشيء البالغ إلى نهاية سيره وذلك كقوله تعالى :
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
[ الأنعام : 149 ] . وقوله :
عَلَيْنا
صفة ثانية ل
أَيْمانٌ
أي أقسمناها لكم لإثبات حقكم علينا . و
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
صفة ثالثة ل
أَيْمانٌ
، أي أيمان مؤبدة لا تحلّة منها فحصل من الوصفين أنها عهود مؤكدة ومستمرة طول الدّهر ، فليس يوم القيامة منتهى الأخذ بتلك الأيمان بل هو تنصيص على التأييد كما في قوله تعالى :
وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
في سورة الأحقاف [ 5 ] . ويتعلق
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
بالاستقرار الذي في الخبر في قوله :
لَكُمْ أَيْمانٌ
ولا