تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
هذا تكرير ثالث لفعل
قُلْ
من قوله :
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ
[ الملك : 23 ] الآية . وجاء هذا الأمر بقول يقوله لهم بمناسبة قوله :
أَوْ رَحِمَنا
[ الملك : 28 ] فإنه بعد أن سوّى بين فرض إهلاك المسلمين وإحيائهم في أن أيّ الحالين فرض لا يجيرهم معه أحد من العذاب ، أعقبه بأن المسلمين آمنوا بالرحمن ، فهم مظنة أن تتعلق بهم هذه الصفة فيرحمهم اللّه في الدنيا والآخرة ، فيعلم المشركون علم اليقين أيّ الفريقين في ضلال حين يرون أثر الرحمة على المسلمين وانتفاءه عن المشركين في الدنيا وخاصة في الآخرة . وضمير
هُوَ
عائد إلى اللّه تعالى الواقع في الجملة قبله ، أي اللّه هو الذي وصفه
الرَّحْمنُ
فهو يرحمنا ، وأنكم أنكرتم هذا الاسم فأنتم أحرياء بأن تحرموا آثار رحمته . ونحن توكلنا عليه دون غيره وأنتم غرّكم عزّكم وجعلتم الأصنام معتمدكم ووكلاءكم . وبهذه التوطئة يقع الإيماء إلى الجانب المهتدي والجانب الضالّ من قوله :
فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
لأنه يظهر بداء تأمل أن الذين في ضلال مبين هم الذين جحدوا وصف
الرَّحْمنُ
وتوكلوا على الأوثان . و
مَنْ
موصولة ، وما صدق
مَنْ
فريق مبهم متردد بين فريقين تضمنهما قوله :
إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ
[ الملك : 28 ] وقوله :
فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ
[ الملك : 28 ] ، فأحد الفريقين فريق النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن معه ، والآخر فريق الكافرين ، أي فستعلمون اتضاح الفريق الذي هو في ضلال مبين . وتقديم معمول
تَوَكَّلْنا
عليه لإفادة الاختصاص ، أي توكلنا عليه دون غيره تعريضا بمخالفة حال المشركين إذ توكلوا على أصنامهم وأشركوها في التوكل مع اللّه ، أو نسوا التوكل على اللّه باشتغال فكرتهم بالتوجه إلى الأصنام . وإنما لم يقدم معمول
آمَنَّا
عليه فلم يقل : به آمنا لمجرد الاهتمام إلى الإخبار عن إيمانهم باللّه لوقوعه عقب وصف الآخرين بالكفر في قوله :
فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
[ الملك : 28 ] فإن هذا جواب آخر عن تمنّيهم له الهلاك سلك به طريق التبكيت ، أي هو الرحمن يجيرنا من سوء ترومونه لنا لأننا آمنا به ولم نكفر به كما كفرتم ، فلم يكن المقصود في إيراده نفي الإشراك وإثبات التوحيد ، إذ الكلام في الإهلاك والإنجاء المعبّر عنه ب
رَحِمَنا
[ الملك : 28 ] فجيء بجملة
آمَنَّا
على أصل مجرد معناها دون قصد الاختصاص ، بخلاف قوله :
وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا
لأن التوكل يقتضي منجيا وناصرا ،
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 51 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور