تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
وفعل
صَدَّقَ
مشتق من التصديق ، أي تصديق الرسول صلى اللّه عليه وسلم والقرآن وهو المناسب لقوله :
وَلكِنْ كَذَّبَ
. والمعنى : فلا آمن بما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وبعض المفسرين فسّر
صَدَّقَ
بمعنى أعطى الصّدقة ، وهو غير جار على قياس التصريف إذ حقه أن يقال : تصدق ، على أنه لا يساعد الاستدراك في قوله :
وَلكِنْ كَذَّبَ
. وعطف
وَلا صَلَّى
على نفس التصديق تشويها له بأن حاله مبائن لأحوال أهل الإسلام . والمعنى : فلم يؤمن ولم يسلم . و
لا
نافية دخلت على الفعل الماضي والأكثر في دخولها على الماضي أن يعطف عليها نفي آخر وذلك حين يقصد المتكلم أمرين مثل ما هنا وقول زهير : فلا هو أخفاها ولم يتقدم وهذا معنى قول الكسائي « ( لا ) بمعنى ( لم ) ولكنه يقرن بغيره يقول العرب : لا عبد اللّه خارج ولا فلان ، ولا يقولون : مررت برجل لا محسن حتى يقال : ولا مجمل » ا ه فإذا لم يعطف عليه نفي آخر فلا يؤتى بعدها بفعل مضيّ إلّا في إرادة الدعاء نحو : « لا فضّ فوك » وشذ ما خالف ذلك . وأما قوله تعالى :
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ
[ البلد : 11 ] فإنّه على تأويل تكرير النّفي لأنّ مفعول الفعل المنفي بحرف لا وهو العقبة يتضمن عدة أشياء منفية بيّنها قوله :
وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ
إلى قوله :
مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
[ البلد : 12 - 17 ] . فلما كان ذلك متعلق الفعل المنفي كان الفعل في تأويل تكرير النفي كأنه قيل : فكّ رقبة ولا أطعم يتيما ولا أطعم مسكينا ولا آمن . وجملة
وَلكِنْ كَذَّبَ
معطوفة على جملة
فَلا صَدَّقَ
. وحرف
لكِنْ
المخفف النون بالأصالة أي الذي لم يكن مخفّف النون المشددة أخت ( إنّ ) هو حرف استدراك ، أي نقض لبعض ما تضمنته الجملة التي قبله إما لمجرد توكيد المعنى بذكر نقيضه مثل قوله تعالى :
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ
[ الأحزاب : 5 ] ، وإما لبيان إجمال في النفي الذي قبله نحو
ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ
[ الأحزاب : 40 ] . وحرف
لكِنْ
المخفف لا يعمل إعرابا فهو حرف ابتداء ولذلك أكثر وقوعه بعد واو العطف وجملة
وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى
أفادت معنيين : أحدهما توكيد قوله
فَلا