تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وأشارت إلى الطوفان . ودعاء نوح بالمغفرة له وللمؤمنين ، وبالتبار للكافرين كلهم . وتخلل ذلك إدماج وعد المطيعين بسعة الأرزاق وإكثار النسل ونعيم الجنة . [ 1 ]

[ سورة نوح ( 71 ) : آية 1 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 1 ) افتتاح الكلام بالتوكيد للاهتمام بالخبر إذ ليس المقام لرد إنكار منكر ، ولا دفع شك عن متردد في هذا الكلام . وكثيرا ما يفتتح بلغاء العرب أول الكلام بحرف التوكيد لهذا الغرض وربما جعلوا ( إن ) داخلة على ضمير الشأن في نحو قوله تعالى :
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ
الآية [ النمل : 30 ، 31 ] . وذكر نوح عليه السلام مضى في سورة آل عمران . وتقدم أن هذا الاسم غير عربي ، وأنه غير مشتق من مادة النّوح . و
أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ
إلى آخره هو مضمون ما أرسل به نوح إلى قومه ، ف
أَنْ
تفسيرية لأنها وقعت بعد
أَرْسَلْنا
. وفيه معنى القول دون حروفه . ومعنى
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أنه يخوفهم غضب اللّه تعالى عليهم إذ عبدوا الأصنام ولم يتقوا اللّه ولم يطيعوا ما جاءهم به رسوله ، فأمره اللّه أن ينذرهم عذابا يأتيهم من اللّه ليكون إنذاره مقدّما على حلول العذاب . وهذا يقتضي أنه أمر بأن يعلمهم بهذا العذاب ، وأن اللّه وقّته بمدة بقائهم على الشرك بعد إبلاغ نوح إليهم ما أرسل به في مدة يقع الإبلاغ في مثلها ، فحذف متعلّق فعل
أَنْذِرْ
لدلالة ما يأتي بعده من قوله :
أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ
[ نوح : 3 ] . وحرف
مِنْ
زائد للتوكيد ، أي قبل أن يأتيهم عذاب فهي قبليّة مؤكدة وتأكيدها باعتبار تحقيق ما أضيف إليه
قَبْلِ
. و « قوم نوح » هم الناس الذين كانوا عامرين الأرض يومئذ ، إذ لا يوجد غيرهم على الأرض كما هو ظاهر حديث الشفاعة وذلك صريح ما في التوراة . والقوم : الجماعة من الناس الذين يجمعهم موطن واحد أو نسب واحد برجالهم ونسائهم وأطفالهم . وإضافة ( قوم ) إلى ضمير نوح لأنه أرسل إليهم فلهم مزيد اختصاص به ، ولأنه