تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
ووجه الشبه بالعهن تفرق الأجزاء كما جاءت في آية القارعة [ 5 ]
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ
فإيثار العهن بالذكر لإكمال المشابهة لأن الجبال ذات ألوان قال تعالى :
وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها
[ فاطر : 27 ] . وإنما تكون السماء والجبال بهاته الحالة حين ينحلّ تماسك أجزائهما عند انقراض هذا العالم والمصير إلى عالم الآخرة . ومعنى
وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً
لشدة ما يعتري الناس من الهول فمن شدة ذلك أن يرى الحميم حميمه في كرب وعناء فلا يتفرغ لسؤاله عن حاله لأنه في شاغل عنه ، فحذف متعلق
يَسْئَلُ
لظهوره من المقام ومن قوله :
يُبَصَّرُونَهُمْ
أي يبصر الأخلاء أحوال أخلائهم من الكرب فلا يسأل حميم حميما ، قال كعب بن زهير :
وقال كل خليل كنت آمله * لا ألهينّك إني عنك مشغول
والحميم : الخليل الصديق . وقرأ الجمهور بفتح ياء
يَسْئَلُ
على البناء للفاعل . وقرأه أبو جعفر والبزي عن ابن كثير بضم الياء على البناء للمجهول . فالمعنى : لا يسأل حميم عن حميم بحذف حرف الجر . وموقع
يُبَصَّرُونَهُمْ
الاستئناف البياني لدفع احتمال أن يقع في نفس السامع أن الأحمّاء لا يرى بعضهم بعضا يومئذ لأن كل أحد في شاغل ، فأجيب بأنهم يكشف لهم عنهم ليروا ما هم فيه من العذاب فيزدادوا عذابا فوق العذاب . ويجوز أن تكون جملة
يُبَصَّرُونَهُمْ
في موضع الحال ، أي لا يسأل حميم حميما في حال أن كل حميم يبصر حميمه يقال له : انظر ما ذا يقاسي فلان . و
يُبَصَّرُونَهُمْ
مضارع بصّره بالأمر إذا جعله مبصرا له ، أي ناظرا فأصله : يبصّرون بهم فوقع فيه حذف الجار وتعدية الفعل . والضميران راجعان إلى
حَمِيمٌ
المرفوع وإلى
حَمِيماً
المنصوب ، أي يبصر كل حميم حميمه فجمع الضميران نظرا إلى عموم
حَمِيمٌ
و
حَمِيماً
في سياق النفي . و
يَوَدُّ
: يحب ، أي يتمنى ، وذلك إما بخاطر يخطر في نفسه عند رؤية العذاب . وإما بكلام يصدر منه نظير قوله :
وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[ النبأ : 40 ] ، وهذا هو الظاهر ، أي يصرخ الكافر يومئذ فيقول : أفتدي من العذاب ببني وصاحبتي وفصيلتي فيكون