تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
فالقرآن تذكرة للمتقين في الماضي والحال والمستقبل ، فإن الإخبار عنه باسم المصدر يتحمل الأزمنة الثلاثة إذ المصدر لا إشعار له بوقت بخلاف الفعل وما أشبهه . وإنما علق
لِلْمُتَّقِينَ
بكونه ( تذكرة ) لأن المتقين هم الذين أدركوا مزيته . [ 49 - 50 ]

[ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 49 إلى 50 ]

وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ( 49 ) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ ( 50 ) هاتان جملتان مرتبطتان ، وأولاهما تمهيد وتوطئة للثانية ، وهي معترضة بين التي قبلها والتي بعدها ، والثانية منهما معطوفة على جملة
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
[ الحاقة : 48 ] ، فكان تقديم الجملة الأولى على الثانية اهتماما بتنبيه المكذبين إلى حالهم وكانت أيضا بمنزلة التتميم لجملة
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
[ الحاقة : 48 ] . والمعنى : إنا بعثنا إليكم الرسول بهذا القرآن ونحن نعلم أنه سيكون منكم مكذبون له وبه ، وعلمنا بذلك لم يصرفنا عن توجيه التذكير إليكم وإعادته عليكم
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
[ الأنفال : 42 ] ، فقوبلت صفة القرآن التي تنفع المتقين بصفته التي تضر بالكافرين على طريقة التضاد ، فبين الجملتين المتعاطفتين محسّن الطباق . والحسرة : الندم الشديد المتكرر على شيء فائت مرغوب فيه ، ويقال لها : التلهف ، اشتقت من الحسر وهو الكشف لأن سببها ينكشف لصاحبها بعد فوات إدراكه ولا يزال يعاوده ، فالقرآن حسرة على الكافرين أي سبب حسرة عليهم في الدنيا والآخرة ، فهو حسرة عليهم في الدنيا لأنه فضح ترّهاتهم ونقض عماد دينهم الباطل وكشف حقارة أصنامهم ، وهو حسرة عليهم في الآخرة لأنهم يجدون مخالفته سبب عذابهم ، ويقفون على اليقين بأن ما كان يدعوهم إليه هو سبب النجاح لو اتبعوه لا سيما وقد رأوا حسن عاقبة الذين صدّقوا به . والمكذبون : هم الكافرون . وإنما عدل عن الإتيان بضميرهم إلى الاسم الظاهر لأن الحسرة تعم المكذبين يومئذ والذين سيكفرون به من بعد . [ 51 ]

[ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 51 ]

وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ( 51 ) عطف على
وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ
[ الحاقة : 50 ] فيحتمل أن يكون الضمير عائدا على القرآن لأن هذه من صفات القرآن ، ويحتمل أن يكون مرادا به المذكور وهو كون القرآن حسرة على الكافرين ، أي إن ذلك حق لا محالة أي هو جالب لحسرتهم في الدنيا