الجزاء عليها ، قال تعالى
وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا
[ النساء : 49 ] وقال :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
[ الزلزلة : 7 - 8 ] .
وإيثار هذه المادة وهذه الصيغة يسمح باندراج معان صالحة بهذا المقام فيكون ذلك من الإيجاز البديع لتذهب نفوس السامعين كل مذهب ممكن من مذاهب الهول والتخويف بما يحق حلوله بهم .
فيجوز أيضا أن تكون
الْحَاقَّةُ
وصفا لموصوف محذوف تقديره : الساعة الحاقة ، أو الواقعة الحاقة ، فيكون تهديدا بيوم أو وقعة يكون فيها عقاب شديد للمعرّض بهم مثل يوم بدر أو وقعته وأن ذلك حق لا ريب في وقوعه ؛ أو وصفا للكلمة ، أي كلمة اللّه التي حقت على المشركين من أهل مكة ، قال تعالى :
كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ
[ غافر : 6 ] ، أو التي حقّت للنبي صلى اللّه عليه وسلم أنه ينصره اللّه ، قال تعالى :
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ
[ الصافات : 171 - 174 ] .
ويجوز أن تكون مصدرا بمعنى الحق ، فيصح أن يكون وصفا ليوم القيامة بأنه حق كقوله تعالى :
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ
[ الأنبياء : 97 ] ، أو وصفا للقرآن كقوله :
إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ
[ آل عمران : 62 ] ، أو أريد به الحق كله مما جاء به القرآن من الحق قال تعالى :
هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ
[ الجاثية : 29 ] وقال :
إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ
[ الأحقاف : 30 ] .
وافتتاح السورة بهذا اللفظ ترويع للمشركين .
و
الْحَاقَّةُ
مبتدأ و
مَا
مبتدأ ثان . و
الْحَاقَّةُ
المذكورة ثانيا خبر المبتدأ الثاني والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول .
و
مَا
اسم استفهام مستعمل في التهويل والتعظيم كأنه قيل : أتدري ما الحاقة ؟ أي ما هي الحاقة ، أي شيء عظيم الحاقّة . وإعادة اسم المبتدأ في الجملة الواقعة خبرا عنه تقوم مقام ضميره في ربط الجملة المخبر بها . وهو من الإظهار في مقام الإضمار لقصد ما في الاسم من التهويل . ونظيره في ذلك قوله تعالى :
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ
[ الواقعة : 27 ] .
وجملة
وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ
يجوز أن تكون معترضة بين جملة
مَا الْحَاقَّةُ