تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
وجملة
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ
[ الحاقة : 4 ] ، والواو اعتراضية . ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة
مَا الْحَاقَّةُ
. و
ما
الثانية استفهامية ، والاستفهام بها مكنّى به عن تعذر إحاطة علم الناس بكنه الحاقّة لأن الشيء الخارج عن الحد المألوف لا يتصور بسهولة فمن شأنه أن يتساءل عن فهمه . والخطاب في قوله :
وَما أَدْراكَ
لغير معيّن . والمعنى : الحاقة أمر عظيم لا تدركون كنهه . وتركيب « ما أدراك كذا » مما جرى مجرى المثل فلا يغير عن هذا اللفظ وهو تركيب مركب من
ما
الاستفهامية وفعل ( أدرى ) الذي يتعدى بهمزة التعدية إلى ثلاثة مفاعيل من باب أعلم وأرى ، فصار فاعل فعله المجرد وهو ( درى ) مفعولا أول بسبب التعدية . وقد علق فعل
أَدْراكَ
عن نصب مفعولين ب
ما
الاستفهامية الثانية في قوله :
مَا الْحَاقَّةُ
. وأصل الكلام قبل التركيب بالاستفهام أن تقول : أدركت الحاقّة أمرا عظيما ، ثم صار أدركني فلان الحاقّة أمرا عظيما . و
مَا
الأولى استفهامية مستعملة في التهويل والتعظيم على طريقة المجاز المرسل في الحرف ، لأن الأمر العظيم من شأنه أن يستفهم عنه فصار التعظيم والاستفهام متلازمين . ولك أن تجعل الاستفهام إنكاريا ، أي لا يدري أحد كنه هذا الأمر . والمقصود من ذلك على كلا الاعتبارين هو التهويل . هذا السؤال كما تقول : علمت هل يسافر فلان . و
ما
الثالثة علقت فعل
أَدْراكَ
عن العمل في مفعولين . وكاف الخطاب فيه خطاب لغير معين فلذلك لا يقترن بضمير تثنية أو جمع أو تأنيث إذا خوطب به غير المفرد المذكر . واستعمال
ما أَدْراكَ
غير استعمال
ما يُدْرِيكَ
في قوله تعالى :
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً
[ الأحزاب : 63 ] وقوله :
وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ
في سورة الشورى [ 17 ] . روي عن ابن عباس : « كل شيء من القرآن من قوله :
ما أَدْراكَ
فقد أدراه وكل
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 105 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور