تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
وقرأ نافع وأبو جعفر ( يزلقونك ) بفتح المثناة مضارع زلق بفتح اللام يزلق متعديا ، إذا نحاه عن مكانه . وجاء
يَكادُ
بصيغة المضارع للدلالة على استمرار ذلك في المستقبل ، وجاء فعل
سَمِعُوا
ماضيا لوقوعه مع
لَمَّا
وللإشارة إلى أنه قد حصل منهم ذلك وليس مجرد فرض . واللام في
لَيُزْلِقُونَكَ
لام الابتداء التي تدخل كثيرا في خبر
إِنْ
المكسورة وهي أيضا تفرق بين
إِنْ
المخففة وبين ( إنّ ) النافية . وضمير
إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
عائد إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم حكاية لكلامهم بينهم ، فمعاد الضمير كائن في كلام بعضهم ، أوليس للضمير معاد في كلامهم لأنه منصرف إلى من يتحدثون عنه في غالب مجالسهم . والمعنى : يقولون ذلك اعتلالا لأنفسهم إذ لم يجدوا في الذكر الذي يسمعونه مدخلا للطعن فيه فانصرفوا إلى الطعن في صاحبه صلى اللّه عليه وسلم ، بأنه مجنون لينتقلوا من ذلك إلى أن الكلام الجاري على لسانه لا يوثق به ليصرفوا دهماءهم عن سماعه ، فلذلك أبطل اللّه قولهم :
إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
بقوله :
وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ
، أي ما القرآن إلّا ذكر للناس كلهم وليس بكلام المجانين ، وينتقل من ذلك إلى أن الناطق به ليس من المجانين في شيء . والذكر : التذكير باللّه والجزاء هو أشرف أنواع الكلام لأن فيه صلاح الناس . فضمير
هُوَ
عائد إلى غير مذكور بل إلى معلوم من المقام ، وقرينة السياق ترجع كلّ ضمير من ضميري الغيبة إلى معاده ، كقول عباس بن مرداس :
عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا
أي لأحرز الكفار ما جمّعه المسلمون . وفي قوله :
وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
مع قوله في أول السورة
ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
[ القلم : 2 ] محسن ردّ العجز على الصدر . وقوله :
وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ
إبطال لقولهم :
إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ
لأنهم قالوه في سياق تكذيبهم بالقرآن فإذا ثبت أن القرآن ذكر بطل أن يكون مبلّغه مجنونا . وهذا من قبيل الاحتباك إذ التقدير : ويقولون إنه لمجنون وإن القرآن كلام مجنون ، وما القرآن إلّا ذكر وما أنت إلّا مذكر .