الكلم التي هي دعاء بسوء تستعمل في التعجيب من فعل أو قول مكروه مثل قولهم : ثكلته أمه ، وويل أمّه . وتربت يمينه . واستعمال ذلك في التعجب مجاز مرسل للملازمة بين بلوغ الحال في السوء وبين الدعاء على صاحبه بالهلاك ، إذ لا نفع له ولا للناس في بقائه ، ثم الملازمة بين الدعاء بالهلاك وبين التعجب من سوء الحال . فهي ملازمة بمرتبتين كناية رمزية .
و
أَنَّى
هنا اسم استفهام عن المكان . وأصل
أَنَّى
ظرف مكان وكثر تضمينه معنى الاستفهام في استعمالاته ، وقد يكون للمكان المجازي فيفسر بمعنى ( كيف ) كقوله تعالى :
قُلْتُمْ أَنَّى هذا
في سورة عمران [ 165 ] ، وفي قوله :
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى
في سورة الدخان [ 13 ] . ومنه قوله هنا
أَنَّى يُؤْفَكُونَ
، والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب على وجه المجاز المرسل لأن الأمر العجيب من شأنه أن يستفهم عن حال حصوله .
فالاستفهام عنه من لوازم أعجوبته . فجملة
أَنَّى يُؤْفَكُونَ
بيان للتعجيب الإجمالي المفاد بجملة
قاتَلَهُمُ اللَّهُ
.
و
يُؤْفَكُونَ
يصرفون يقال : أفكه ، إذا صرفه وأبعده ، والمراد : صرفهم عن الهدى ، أي كيف أمكن لهم أن يصرفوا أنفسهم عن الهدى ، أو كيف أمكن لمضليهم أن يصرفوهم عن الهدى مع وضوح دلائله .
وتقدم نظير هذه الآية في سورة براءة .
[ 5 ]
[ سورة المنافقون ( 63 ) : آية 5 ]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ( 5 )
هذا حالهم في العناد ومجافاة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم والإعراض عن التفكر في الآخرة ، بله الاستعداد للفوز فيها .
و
تَعالَوْا
طلب من المخاطب بالحضور عند الطالب ، وأصله فعل أمر من التعالي ، وهو تكلف العلو ، أي الصعود ، وتنوسي ذلك وصار لمجرد طلب الحضور ، فلزم حالة واحدة فصار اسم فعل ، وتقدم عند قوله تعالى :
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
الآية في سورة الأنعام [ 151 ] .
وهذا الطلب يجعل
تَعالَوْا
مشعر بأن هذه حالة من أحوال انفرادهم في جماعتهم