وأما
وَتُجاهِدُونَ
فإنه لإرادة تجدّد الجهاد إذا استنفروا إليه .
ومجيء
يَغْفِرْ
مجزوما تنبيه على أن
تُؤْمِنُونَ
وَتُجاهِدُونَ
وإن جاءا في صيغة الخبر فالمراد الأمر لأن الجزم إنما يكون في جواب الطلب لا في جواب الخبر . قاله المبرد والزمخشري .
وقال الفراء : جزم
يَغْفِرْ
لأنه جواب
هَلْ أَدُلُّكُمْ
، أي لأن متعلق
أَدُلُّكُمْ
هو التجارة المفسرة بالإيمان والجهاد ، فكأنه قيل : هل تتّجرون بالإيمان والجهاد يغفر لكم ذنوبكم .
وإنما جيء بالفعلين الأولين على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال حتى يفرض المأمور كأنه سمع الأمر وامتثله .
وقرأ الجمهور
تُنْجِيكُمْ
بسكون النون وتخفيف الجيم . وقرأه ابن عامر بفتح النون وتشديد الجيم ، يقال : أنجاه ونجّاه .
والإشارة ب
ذلِكُمْ
إلى الإيمان والجهاد بتأويل المذكور : خير .
و
خَيْرٌ
هذا ليس اسم تفضيل الذي أصله : أخير ووزنه : أفعل ، بل هو اسم لضد الشر ، ووزنه : فعل .
وجمع قوله :
خَيْرٌ
ما هو خير الدنيا وخير الآخرة .
وقوله :
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
تعريض لهم بالعتاب على تولّيهم يوم أحد بعد أن قالوا :
لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى اللّه لعملناه ، فندبوا إلى الجهاد فكان ما كان منهم يوم أحد ، كما تقدم في أول السورة ، فنزلوا منزلة من يشك في عملهم بأنه خير لعدم جريهم على موجب العلم .
والمساكين الطيبة : هي القصور التي في الجنة ، قال تعالى :
وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً
[ الفرقان : 10 ] .
وإنما خصّت المساكن بالذكر هنا لأن في الجهاد مفارقة مساكنهم ، فوعدوا على تلك المفارقة الموقتة بمساكن أبدية . قال تعالى :
قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ
إلى قوله :
وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ
[ التوبة : 24 ] الآية .