لهم الأمثال ، وانتقل الكلام من مجال إلى مجال ، أعيد خطابهم هنا بمثل ما خوطبوا به بقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 2 ] ، أي هل أدلكم على أحب العمل إلى اللّه لتعملوا به كما طلبتم إذ قلتم لو نعلم أيّ الأعمال أحبّ إلى اللّه لعملنا به فجاءت السورة في أسلوب الخطابة .
والظاهر أن الضمير المستتر في
أَدُلُّكُمْ
عائد إلى اللّه تعالى لأن ظاهر الخطاب أنه موجه من اللّه تعالى إلى المؤمنين . ويجوز أن يجعل الضمير إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم على تقدير قول محذوف وعلى اختلاف الاحتمال يختلف موقع قوله الآتي
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
[ الصف : 13 ] .
والاستفهام مستعمل في العرض مجازا لأن العارض قد يسأل المعروض عليه ليعلم رغبته في الأمر المعروض كما يقال : هل لك في كذا ؟ أو هل لك إلى كذا ؟
والعرض هنا كناية عن التشويق إلى الأمر المعروض ، وهو دلالته إياهم على تجارة نافعة . وألفاظ الاستفهام تخرج عنه إلى معان كثيرة هي من ملازمات الاستفهام كما نبه عليه السكّاكي في « المفتاح » ، وهي غير منحصرة فيما ذكره .
وجيء بفعل
أَدُلُّكُمْ
لإفادة ما يذكر بعده من الأشياء التي لا يهتدى إليها بسهولة .
وأطلق على العمل الصالح لفظ التجارة على سبيل الاستعارة لمشابهة العمل الصالح التجارة في طلب النفع من ذلك العمل ومزاولته والكد فيه ، وقد تقدم في قوله تعالى :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
في سورة البقرة [ 16 ] .
ووصف التجارة بأنها تنجي من عذاب أليم ، تجريد للاستعارة لقصد الصراحة بهذه الفائدة لأهميتها وليس الإنجاء من العذاب من شأن التجارة فهو من مناسبات المعنى الحقيقي للعمل الصالح .
وجملة
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
مستأنفة استئنافا بيانيا لأن ذكر الدلالة مجمل والتشويق الذي سبقها مما يثير في أنفس السامعين التساؤل عن هذا الذي تدلنا عليه وعن هذه التجارة .
وإذ قد كان الخطاب لقوم مؤمنين فإن فعل
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
مع
وَتُجاهِدُونَ
مراد به تجمعون بين الإيمان باللّه ورسوله وبين الجهاد في سبيل اللّه بأموالكم وأنفسكم تنويها بشأن الجهاد . وفي التعبير بالمضارع إفادة الأمر بالدوام على الإيمان وتجديده في كل آن ، وذلك تعريض بالمنافقين وتحذير من التغافل عن ملازمة الإيمان وشؤونه .