و
في « جامع الترمذي » « عن عبد اللّه بن سلام قال : قعدنا نفر من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فتذاكرنا فقلنا : لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى اللّه لعملناه » فأنزل اللّه تعالى :
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 1 ، 2 ] قال عبد اللّه بن سلام : فقرأها علينا رسول اللّه .
وأخرجه الحاكم وأحمد في « مسنده » وابن أبي حاتم والدارمي بزيادة فقرأها علينا رسول اللّه حتى ختمها أو فقرأها كلها
. فهذا يقتضي أنهم قيل لهم :
لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
قبل أن يخلفوا ما وعدوا به فيكون الاستفهام مستعملا مجازا في التحذير من عدم الوفاء بما نذروه ووعدوا به .
وعن علي بن طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
قال : كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون : لوددنا أن اللّه عزّ وجلّ دلّنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به فأخبر اللّه أن أحب الأعمال : إيمان به وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقرّوا به . فلما نزل الجهاد كره ذلك ناس من المؤمنين وشق عليهم . فأنزل اللّه سبحانه وتعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
.
ومثله عن أبي صالح يقتضي أن السورة نزلت بعد أن أمروا بالجهاد بآيات غير هذه السورة . وبعد أن وعدوا بالانتداب للجهاد ثم تقاعدوا عنه وكرهوه . وهذا المروي عن ابن عباس وهو أوضح وأوفق بنظم الآية ، والاستفهام فيه للتوبيخ واللوم وهو المناسب لقوله بعده
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
[ الصف : 3 ] .
وعن مقاتل بن حيان : قال المؤمنون : لو نعلم أحبّ الأعمال إلى اللّه لعملنا به فدلهم اللّه فقال :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا
[ الصف : 4 ] ، فابتلوا يوم أحد بذلك فولّوا مدبرين فأنزل اللّه
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
. ونسب الواحدي مثل هذا للمفسرين وهو يقتضي أن صدر الآية نزل بعد آخرها .
وعن الكلبي : أنهم قالوا : لو نعلم أحبّ الأعمال إلى اللّه لسارعنا إليها فنزلت
هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
[ الصف : 10 ] الآية . فابتلوا يوم أحد فنزلت
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
تعيّرهم بترك الوفاء . وهو يقتضي أن معظم السورة قبل نزول الآية التي في أولها .