ذلك أن يهود خيبر كانوا يومئذ بجوار المسلمين من أهل المدينة . وذكر الواحدي في « أسباب النزول » : أنها نزلت في ناس من فقراء المسلمين يعملون عند اليهود ويواصلونهم ليصيبوا بذلك من ثمارهم ، وربما أخبروا اليهود بأحوال المسلمين عن غفلة وقلة حذر فنبههم اللّه إلى أن لا يتولوهم .
واليأس : عدم توقع الشيء فإذا علق بذات كان دالا على عدم توقع وجودها . وإذ قد كان اليهود لا ينكرون الدار الآخرة كان معنى يأسهم من الآخرة محتملا أن يراد به الإعراض عن العمل للآخرة فكأنهم في إهمال الاستعداد لها آيسون منها ، وهذا في معنى قوله تعالى في شأنهم :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
في سورة البقرة [ 86 ] .
وتشبيه إعراضهم هذا بيأس الكفار من أصحاب القبور وجهه شدة الإعراض وعدم التفكر في الأمر ، شبه إعراضهم عن العمل لنفع الآخرة بيأس الكفار من حياة الموتى والبعث وفيه تشنيع المشبه ، و
مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ
على هذا الوجه متعلق ب
يَئِسُوا
.
و
الْكُفَّارُ
: المشركون .
ويجوز أن يكون
مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ
بيانا للكفار ، أي الكفار الذين هلكوا ورأوا أن لا حظّ لهم في خير الآخرة فشبه إعراض اليهود عن الآخرة بيأس الكفار من نعيم الآخرة ، ووجه الشبه تحقق عدم الانتفاع بالآخرة . والمعنى كيأس الكفار الأموات ، أي يأسا من الآخرة .
والمشبه به معلوم للمسلمين بالاعتقاد فالكلام من تشبيه المحسوس بالمعقول .
وفي استعارة اليأس للإعراض ضرب من المشاكلة أيضا .
ويحتمل أن يكون يأسهم من الآخرة أطلق على حرمانهم من نعيم الحياة الآخرة .
فالمعنى : قد أيأسناهم من الآخرة على نحو قوله تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي
في سورة العنكبوت [ 23 ] .
ومن المفسرين الأولين من حمل هذه الآية على معنى التأكيد لما في أول السورة من قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ
[ الممتحنة : 1 ] فالقوم الذين غضب اللّه عليهم هم المشركون فإنهم وصفوا بالعدوّ للّه والعدوّ مغضوب عليه ونسب هذا إلى ابن عباس . وجعل بأسهم من الآخرة هو إنكارهم البعث .