تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
وَاشْرَبُوا
، أكلا وشربا ، فلذلك لم يؤنث الوصف لأن فعيلا إذا كان بمعنى مفعول يلزم الإفراد والتذكير . وتقدم في سورة النساء لأنه سالم مما يكدر الطعام والشراب . و ( ما ) موصولة ، والباء سببية ، أي بسبب العمل الذي كنتم تعملونه وهو العمل الصالح الذي يومئ إليه قوله :
الْمُتَّقِينَ
وفي هذا القول زيادة كرامة لهم بإظهار أن ما أوتوه من الكرامة عوض عن أعمالهم كما آذنت به باء السببية وهو نحو قول من يسدي نعمة إلى المنعم عليه : لا فضل لي عليك وإنما هو مالك ، أو نحو ذلك . [ 20 ]

[ سورة الطور ( 52 ) : آية 20 ]

مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ ( 20 ) حال من ضمير
كُلُوا وَاشْرَبُوا
[ الطور : 19 ] ، أي يقال لهم كلوا واشربوا حال كونهم متكئين ، أي وهم في حال إكلة أهل الترف المعهود في الدنيا ، فقد كان أهل الرفاهية يأكلون متكئين وقد وصف القرآن ذلك في سورة يوسف [ 31 ] بقوله :
أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً
أي لحز الطعام والثمار . وفي الحديث « أمّا أنا فلا آكل متكئا » وكان الأكاسرة ومرازبة الفرس يأكلون متكئين وكذلك كان أباطرة الرومان وكذلك شأنهم في شرب الخمر ، قال الأعشى :
نازعتهم قضب الريحان متكئا * وخمرة مزة راووقها خضل
والسّرر : جمع سرير ، وهو ما يضطجع عليه . والمصفوفة : المتقابلة ، والمعنى : أنهم يأكلون متكئين مجتمعين للتأنس كقوله تعالى :
عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ
[ الصافات : 44 ] . وجملة
وَزَوَّجْناهُمْ
عطف على
مُتَّكِئِينَ
فهي في موضع الحال . ومعنى
زَوَّجْناهُمْ
: جعلنا كل فرد منهم زوجا ، أي غير مفرد ، أي قرنّاهم بنساء حور عين . والباء للمصاحبة ، أي جعلنا حورا عينا معهم ، ولم يعد فعل
زَوَّجْناهُمْ
إلى
بِحُورٍ
بنفسه على المفعولية كما في قوله تعالى :
زَوَّجْناكَها
[ الأحزاب : 37 ] ، لأن ( زوجنا ) في هذه الآية ليس بمعنى : أنكحناهم ، إذ ليس المراد عقد النكاح لنبوّ المراد عن هذا المعنى ، فالتزويج هنا وارد بمعناه الحقيقي في اللغة وهو جعل الشيء المفرد زوجا وليس واردا بمعناه المنقول عنه في العرف والشرع ، وليس الباء لتعدية فعل
زَوَّجْناهُمْ
بتضمينه معنى : قرنّا ، ولا هو على لغة أزد شنوة فإنه لم يسمع في فصيح الكلام : تزوج بامرأة . وحور : صفة لنساء المؤمنين في الجنة ، وهنّ النساء اللاتي كنّ أزواجا لهم في الدنيا