تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
المصدرية . ولفظ
الْمِيزانِ
يسمح بإرادة المعنيين على طريقة استعمال المشترك في معنييه . وفي لفظ الميزان وما قارنه من فعل
وَضَعَ
وفعلي
أَلَّا تَطْغَوْا
و
أَقِيمُوا
وحرف الباء في قوله :
بِالْقِسْطِ
وحرف
فِي
من قوله :
فِي الْمِيزانِ
ولفظ
بِالْقِسْطِ
، كل هذه تظاهرت على إفادة هذه المعاني وهذا من إعجاز القرآن . والطغيان : دحض الحق عمدا واحتقارا لأصحابه ، فمعنى الطغيان في العدل الاستخفاف بإضاعته وضعف الوازع عن الظلم . ومعنى الطغيان في وزن المقدرات تطفيفه . و
فِي
من قوله :
فِي الْمِيزانِ
ظرفية مجازية تفيد النهي عن أقل طغيان على الميزان ، أي ليس النهي عن إضاعة الميزان كله بل النهي عن كل طغيان يتعلق به على نحو الظرفية في قوله تعالى :
وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ
[ النساء : 5 ] ، أي ارزقوهم من بعضها وقول سبرة بن عمرو الفقعسي :
سبرة بن عمرو الفقعسي * ونشرب في أثمانها ونقامر
إذ أراد أنهم يشربون الخمر ببعض أثمان إبلهم ويقامرون ، أي أن لهم فيها منافع أخرى وهي العطاء والأكل منها لقوله في صدر البيت : نحابي بها أكفاءنا ونهينها وقوله تعالى :
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ
عطف على جملة
أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ
على احتمال كون المعطوف عليها تفسيرية . وعلى جملة
وَوَضَعَ الْمِيزانَ
على احتمال كون المعطوف عليها تعليلا . والإقامة : جعل الشيء قائما ، وهو تمثيل للإتيان به على أكمل ما يراد له وقد تقدم عند قوله :
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
في سورة البقرة [ 3 ] . والوزن حقيقته : تحقيق تعادل الأجسام في الثقل ، وهو هنا مراد به ما يشمل تقدير الكميات وهو الكيل والمقياس . والقسط : العدل وهو معرب من الرومية وأصله قسطاس ثم اختصر في العربية فقالوا مرة : قسطاس ، ومرة : قسط ، وتقدم في قوله تعالى :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
في سورة الأنبياء [ 47 ] .