تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
والأشربة والملامس البدنية ، فوصف خمر هنا بأنها
لَذَّةٍ
معناه يجد شاربها لذاذة في طعمها ، أي بخلاف خمر الدنيا فإنها حريقة الطعم فلو لا ترقب ما تفعله في الشارب من نشوة وطرب لما شربها لحموضة طعمها . والعسل المصفى : الذي خلّص مما يخالط العسل من بقايا الشمع وبقايا أعضاء النحل التي قد تموت فيه ، وتقدم الكلام على العسل وتربيته في سورة النحل . ومعنى
مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
أصناف من جميع أجناس الثمرات ، فالتعريف في
الثَّمَراتِ
للجنس ، و
كُلِّ
مستعملة في حقيقتها وهو الإحاطة ، أي جميع ما خلق اللّه من الثمرات مما علموه في الدنيا وما لم يعلموه مما خلقه اللّه للجنة . و
مِنْ
تبعيضية ، وهذا كقوله تعالى :
فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ
[ الرحمن : 52 ] . و
مَغْفِرَةٌ
عطف على
أَنْهارٌ
وما بعده ، أي وفيها مغفرة لهم ، أي تجاوز عنهم ، أي إطلاق في أعمالهم لا تكليف عليهم كمغفرته لأهل بدر إذ بينت بأن يعملوا ما شاءوا في الحديث « لعل اللّه اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم » وقد تكون المغفرة كناية عن الرضوان عليهم كما قال تعالى :
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
[ التوبة : 72 ] . وتقدير المضاف في مثله ظاهر للقرينة . وقوله :
وَسُقُوا ماءً حَمِيماً
جيء به لمقابلة ما وصف من حال أهل الجنة الذي في قوله :
فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
إلى قوله :
مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
، أي أن أهل النار محرومون من جميع ما ذكر من المشروبات . وليسوا بذائقين إلا الماء الحميم الذي يقطع أمعاءهم بفور سقيه . ولذلك لم يعرج هنا على طعام أهل النار الذي ذكر في قوله تعالى :
لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ
[ الواقعة : 52 - 54 ] وقوله :
أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ
[ الصافات : 62 ] إلى قوله :
فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ
[ الصافات : 66 - 67 ] . وضمير
سُقُوا
راجع إلى
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ
باعتبار معنى ( من ) وهو الفريق من الكافرين بعد أن أعيد عليه ضمير المفرد في قوله :
هُوَ خالِدٌ
. والأمعاء : جمع معي مقصورا وبفتح الميم وكسرها ، وهو ما ينتقل الطعام إليه بعد نزوله من المعدة . ويسمى عفج بوزن كتف .