تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
فريقي الإيمان والكفر ، ومما أعد لكليهما ، ومن إعلان تباين حاليهما ثني العنان إلى بيان ما في الجنة التي وعد المتقون ، وخص من ذلك بيان أنواع الأنهار ، ولما كان ذلك موقع الجملة كان قوله :
مَثَلُ الْجَنَّةِ
مبتدأ محذوف الخبر . والتقدير : ما سيوصف أو ما سيتلى عليكم ، أو مما يتلى عليكم . وقوله :
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ
كلام مستأنف مقدر فيه استفهام إنكاري دلّ عليه ما سبق من قوله :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ
[ محمد : 14 ] . والتقدير : أكمن هو خالد في النار . والإنكار متسلط على التشبيه الذي هو بمعنى التسوية . ويجوز أن تكون جملة
مَثَلُ الْجَنَّةِ
بدلا من جملة
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
فهي داخلة في حيز الاستفهام الإنكاري . والخبر قوله :
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ
، أي كحال من هو خالد في النار وذلك يستلزم اختلاف حال النار عن حال الجنة ، فحصل نحو الاحتباك إذ دل
مَثَلُ الْجَنَّةِ
على مثل أصحابها ودلّ مثل من هو خالد في النار على مثل النار . والمقصود : بيان البون بين حالي المسلمين والمشركين بذكر التفاوت بين حالي مصيرهما المقرر في قوله :
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ
[ الحج : 23 ] إلى آخره ، ولذلك لم يترك ذكر أصحاب الجنّة وأصحاب النار في خلال ذكر الجنة والنار فقال :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
وقال بعده
كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ
. ولقصد زيادة تصوير مكابرة من يسوّي بين المتمسك ببينة ربه وبين التابع لهواه ، أي هو أيضا كالذي يسوي بين الجنّة ذات تلك الصفات وبين النار ذات صفات ضدها . وفيه اطراد أساليب السورة إذ افتتحت بالمقابلة بين الذين كفروا والذين آمنوا ، وأعقب باتباع الكافرين الباطل واتباع المؤمنين الحق ، وثلّث بقوله :
أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ
إلخ . والمثل : الحال العجيب . وجملة
فِيها أَنْهارٌ
وما عطف عليها تفصيل للإجمال الذي في جملة
مَثَلُ الْجَنَّةِ
، فهو استئناف ، أو بدل مفصّل من مجمل على رأي من يثبته في أنواع البدل . والأنهار : جمع نهر ، وهو الماء المستبحر الجاري في أخدود عظيم من الأرض ، وتقدم في قوله تعالى :
قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ
في سورة البقرة [ 249 ] . فأما إطلاق الأنهار على أنهار الماء فهو حقيقة ، وأما إطلاق الأنهار على ما هو من