تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ
[ الأحقاف : 3 ] . والأحقاف : جمع حقف بكسر فسكون ، وهو الرمل العظيم المستطيل وكانت هذه البلاد المسماة بالأحقاف منازل عاد وكانت مشرفة على البحر بين عمان وعدن . وفي منتهى الأحقاف أرض حضرموت ، وتقدم ذكر عاد عند قوله تعالى :
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً
في سورة الأعراف [ 65 ] . وجملة
وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ
معترضة بين جملة
أَنْذَرَ
وجملة
أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
المفسرة بها . وقد فسرت جملة
أَنْذَرَ
بجملة
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
إلخ . و ( أن ) تفسيرية لأن
أَنْذَرَ
فيه معنى القول دون حروفه . ومعنى
خَلَتِ النُّذُرُ
سبقت النذر أي نذر رسل آخرين . والنذر : جمع نذارة بكسر النون . و
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ
بمعنى قريبا من زمانه وبعيدا عنه ، ف
مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
معناه القرب كما في قوله تعالى :
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
[ سبأ : 46 ] ، أي قبل العذاب قريبا منه قال تعالى :
وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً
[ الفرقان : 38 ] ، وقال
وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ
[ النساء : 164 ] . وأما الذي من خلفه فنوح فقد قال هود لقومه
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ
[ الأعراف : 69 ] ، وهذا مراعاة للحالة المقصود تمثيلها فهو ناظر إلى قوله تعالى :
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ
[ الأحقاف : 9 ] أي قد خلت من قبله رسل مثل ما خلت بتلك . وجملة
إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
تعليل للنهي في قوله :
أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
، أي إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم بسبب شرككم . وعذاب اليوم العظيم يحتمل الوعيد بعذاب يوم القيامة وبعذاب يوم الاستئصال في الدنيا ، وهو الذي عجّل لهم . ووصف اليوم بالعظم باعتبار ما يحدث فيه من الأحداث العظيمة ، فالوصف مجاز عقلي . [ 22 ]

[ سورة الأحقاف ( 46 ) : آية 22 ]

قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 22 ) جواب عن قوله :
أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ
[ الأحقاف : 21 ] ، ولذلك جاء فعل
قالُوا
مفصولا على طريق المحاورة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 39 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور