تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
يفهمه غيره بأن يكون في الكلام تعريض أو تورية أو ألفاظ مصطلح عليها بين شخصين أو فرقة كالألفاظ العلمية قال القتّال الكلائي :
ولقد وحيت لكم لكيما تفهموا * ولحنت لحنا ليس بالمرتاب
كان المنافقون يخاطبون النبي صلى اللّه عليه وسلّم بكلام تواضعوه فيما بينهم ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يأخذهم بظاهر كلامهم فنبهه اللّه إليه فكان بعد هذا يعرف المنافقين إذا سمع كلامهم .
وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ
. تذييل ، فهو لعمومه خطاب لجميع الأمة المقصود منه التعليم وهو مع ذلك كناية عن لازمه وهو الوعيد لأهل الأعمال السيّئة على أعمالهم ، والوعد لأهل الأعمال الصالحة على أعمالهم ، وتنبيه لأهل النفاق بأن اللّه يوشك أن يفضح نفاقهم كما قال آنفا
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ
[ محمد : 29 ] . واجتلاب المضارع في قوله :
يَعْلَمُ
للدلالة على أن علمه بذلك مستمر . [ 31 ]

[ سورة محمد ( 47 ) : آية 31 ]

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ( 31 ) عطف على قوله :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ
[ محمد : 30 ] . ومعناه معنى الاحتراس ممّا قد يتوهم السامعون من قوله :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ
من الاستغناء عن التكليف . ووجه هذا الاحتراس أن علم اللّه يتعلق بأعمال الناس بعد أن تقع ويتعلق بها قبل وقوعها فإنها ستقع ويتعلق بعزم الناس على الاستجابة لدعوة التكاليف قوة وضعفا ، ومن عدم الاستجابة كفرا وعنادا ، فبيّن بهذه الآية أن من حكمة التكاليف أن يظهر أثر علم اللّه بأحوال الناس وتقدم الحجة عليهم . ولما قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه كتب لكل عبد مقعده من الجنة أو من النار . فقالوا أفلا نتكل على ما كتب لنا ؟ قال : اعملوا فكل ميسّر لما خلق له ، وقرأ
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى
[ الليل : 5 - 10 ] » . والبلو : الاختبار وتعرّف حال الشيء . والمراد بالابتلاء الأمر والنهي في التكليف ، فإنه يظهر به المطيع والعاصي والكافر ، وسمي ذلك ابتلاء على وجه المجاز المرسل لأنه يلزمه الابتلاء وإن كان المقصود منه إقامة مصالح الناس ودفع الفساد عنهم لتنظيم أحوال