تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
وبلو الإخبار : ظهور الأحدوثة من حسن السمعة وضده . وهذا في معنى قول الأصوليين ترتّب المدح والذم عاجلا ، وهو كناية أيضا عن أحوال أعمالهم من خير وشر لأن الأخبار إنما هي أخبار عن أعمالهم ، وهذه علة ثانية عطفت على قوله :
حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ
. وإنما أعيد عطف فعل
نَبْلُوَا
على فعل
نَعْلَمَ
وكان مقتضى الظاهر أن يعطف
أَخْبارَكُمْ
بالواو على ضمير المخاطبين في
لَنَبْلُوَنَّكُمْ
ولا يعاد
نَبْلُوَا
، فالعدول عن مقتضى ظاهر النظم إلى هذا التركيب للمبالغة في بلو لأخبار لأنه كناية عن بلو أعمالهم وهي المقصود من بلو ذواتهم ، فذكره كذكر العام بعد الخاص إذ تعلق البلو الأول بالجهاد والصبر ، وتعلق البلو الثاني بالأعمال كلها ، وحصل مع ذلك تأكيد البلو تأكيدا لفظيا . وقرأ الجمهور
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ
وَنَبْلُوَا
بالنون في الأفعال الثلاثة . وقرأ أبو بكر عن عاصم تلك الأفعال الثلاثة بياء الغيبة والضمائر عائدة إلى اسم الجلالة في قوله :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ
. وقرأ الجمهور
وَنَبْلُوَا
بفتح الواو عطفا على
نَعْلَمَ
. وقرأه رويس عن يعقوب بسكون الواو عطفا على
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
. [ 32 ]

[ سورة محمد ( 47 ) : آية 32 ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ ( 32 ) الظاهر أن المعنيّ بالذين كفروا هنا الذين كفروا المذكورون في أول هذه السورة وفيما بعد من الآيات التي جرى فيها ذكر الكافرين ، أي الكفار الصرحاء عاد الكلام إليهم بعد الفراغ من ذكر المنافقين الذين يخفون الكفر ، عودا على بدء لتهوين حالهم في نفوس المسلمين ، فبعد أن أخبر اللّه أنه أضل أعمالهم وأنهم اتبعوا الباطل وأمر بضرب رقابهم وأن التعس لهم وحقّرهم بأنهم يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ، وأن اللّه أهلك قرى هي أشد منهم قوة ، ثم جرى ذكر المنافقين ، بعد ذلك ثني عنان الكلام إلى الذين كفروا أيضا ليعرّف اللّه المسلمين بأنهم في هذه المآزق التي بينهم وبين المشركين لا يلحقهم منهم أدنى ضرّ ، وليزيد وصف الذين كفروا بأنهم شاقّوا الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . فالجملة استئناف ابتدائي وهي توطئة لقوله :
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ
[ محمد : 35 ] . وفعل
شَاقُّوا
مشتق من كلمة شق بكسر الشين وهو الجانب ، والمشاقة المخالفة ، كني بالمشاقة عن المخالفة لأن المستقر بشق مخالف للمستقر بشق آخر فكلاهما مخالف ، فلذلك صيغت منه صيغة المفاعلة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 105 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور