وكثر حذف متعلّق كيف في أمثال هذا مقدّرا مؤخرا عن كيف وعن
إِذا
كقوله تعالى :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ
[ النساء : 41 ] . والتقدير : كيف يصنعون ويحتالون .
وجعل سيبويه كيف في مثله ظرفا وتبعه ابن الحاجب في الكافية . ولعله أراد الفرار من الحذف .
وجملة
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ
حال من
الْمَلائِكَةُ
. والمقصود من هذه الحال : وعيدهم بهذه الميتة الفظيعة التي قدرها اللّه لهم وجعل الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم ، أي يضربون وجوههم التي وقوها من ضرب السيف حين فرّوا من الجهاد فإن الوجوه مما يقصد بالضرب بالسيوف عند القتال قال الحريش القريعي ، أو العباس بن مدراس :
نعرّض للسيوف إذا التقينا * وجوها لا تعرض للنظام
ويضربون أدبارهم التي كانت محل الضرب لو قاتلوا ، وهذا تعريض بأنهم لو قاتلوا لفرّوا فلا يقع الضرب إلا في أدبارهم .
[ 28 ]
[ سورة محمد ( 47 ) : آية 28 ]
ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ( 28 )
الإشارة بذلك إلى الموت الفظيع الذي دل عليه قوله :
فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ
[ محمد : 27 ] كما تقدم آنفا . واتباعهم ما أسخط اللّه : هو اتباعهم الشرك . والسخط مستعار لعدم الرضى بالفعل . وكراهتهم رضوان اللّه : كراهتهم أسباب رضوانه وهو الإسلام .
وفي ذكر اتباع ما أسخط اللّه وكراهة رضوانه محسّن الطباق مرتين للمضادة بين السخط والرضوان ، والاتباع والكراهية . والجمع بين الإخبار عنهم باتباعهم ما أسخط اللّه وكراهتهم رضوانه مع إمكان الاجتزاء بأحدهما عن الآخر للإيماء إلى أن ضرب الملائكة وجوه هؤلاء مناسب لإقبالهم على ما أسخط اللّه ، وأن ضربهم أدبارهم مناسب لكراهتهم رضوانه لأن الكراهة تستلزم الإعراض والإدبار ، ففي الكلام أيضا محسن اللف والنشر المرتب . فكان ذلك التعذيب مناسبا لحالي توقيهم في الفرار من القتال وللسببين الباعثين على ذلك التوقي .