تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 8

مساهمون:

ص٨
عليها ، وقد تقدم في طالعة سورة هود . ومن كمال تفصيله أنه كان بلغة كثيرة المعاني ، واسعة الأفنان ، فصيحة الألفاظ ، فكانت سالمة من التباس الدلالة ، وانغلاق الألفاظ ، مع وفرة المعاني غير المتنافية في قلة التراكيب ، فكان وصفه بأنه عربي من مكملات الإخبار عنه بالتفصيل . وقد تكرر التنويه بالقرآن من هذه الجهة كقوله :
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
[ الشعراء : 195 ] ولهذا فرع عليه ذم الذين أعرضوا عنه بقوله هنا
فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ
وقوله هنالك :
كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
[ الشعراء : 200 ، 201 ] . والقرآن : الكلام المقروء المتلوّ . وكونه قرآنا من صفات كماله ، وهو أنه سهل الحفظ ، سهل التلاوة ، كما قال تعالى :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ *
[ القمر : 22 ] ولذلك كان شأن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم حفظ القرآن عن ظهر قلب ، وكان شأن المسلمين الاقتداء به في ذلك على حسب الهمم والمكنات ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلّم يشير إلى تفضيل المؤمنين بما عندهم من القرآن . وكان يوم أحد يقدم في لحد شهدائه من كان أكثرهم أخذا للقرآن تنبيها على فضل حفظ القرآن زيادة على فضل تلك الشهادة . وانتصب
قُرْآناً
على النعت المقطوع للاختصاص بالمدح وإلا لكان مرفوعا على أنه خبر ثالث أو صفة للخبر الثاني ، فقوله :
قُرْآناً
مقصود بالذكر للإشارة إلى هذه الخصوصية التي اختص بها من بين سائر الكتب الدينية ، ولولا ذلك لقال : كتاب فصّلت آياته عربي كما قال في سورة الشعراء [ 195 ]
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ
. ولك أن تجعله منصوبا على الحال . وقوله :
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
صفة ل
قُرْآناً
ظرف مستقر ، أي كائنا لقوم يعلمون باعتبار ما أفاده قوله :
قُرْآناً عَرَبِيًّا
من معنى وضوح الدلالة وسطوع الحجة ، أو يتعلق
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
بقوله :
تَنْزِيلٌ
أو بقوله :
فُصِّلَتْ آياتُهُ
على معنى أن فوائد تنزيله وتفصيله لقوم يعلمون دون غيرهم فكأنه لم ينزل إلا لهم ، أي فلا بدع إذا أعرض عن فهمه المعاندون فإنهم قوم لا يعلمون ، وهذا كقوله تعالى :
وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ
[ يونس : 101 ] وقوله :
وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
[ العنكبوت : 43 ] وقوله :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
[ يوسف : 2 ] وقوله :
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
[ العنكبوت : 49 ] .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 8 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور