تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
الممدود بينه وبينهم فلا تلاقي ولا ترائي . وقد جمعوا بين الحالات الثلاث في التمثيل للمبالغة في أنهم لا يقبلون ما يدعوهم إليه . واجتلاب حرف
مِنْ
في قوله :
وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
لتقوية معنى الحجاب بين الطرفين وتمكن لازمه الذي هو بعد المسافة التي بين الطرفين لأن
مِنْ
هذه زائدة لتأكيد مضمون الجملة . وضمير
بَيْنِنا
عائد إلى ما عاد إليه ضمير
أَكْثَرُهُمْ
[ فصلت : 4 ] . وعطف
وَبَيْنِكَ
تأكيد لأن واو العطف مغنية عنه وأكثر استعمال ( بين ) أن يكون معطوفا عليه مثله كقوله تعالى :
قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ
[ الزخرف : 38 ] . وقد جعل ابن مالك ( من ) الداخلة على ( قبل ) و ( بعد ) زائدة فيكون ( بين ) مقيسا على ( قبل ) و ( بعد ) لأن الجميع ظروف . وهذا القول المحكي عنهم في القرآن ب
قالُوا
يحتمل أن يكون القرآن حكاه عنهم بالمعنى ، فجمع القرآن بإيجازه وبلاغته ما أطالوا به الجدال وأطنبوا في اللجاج ، ويحتمل أنه حكاه بلفظهم فيكون مما قاله أحد بلغائهم في مجامعهم التي جمعت بينهم وبين النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وهذا ظاهر ما في سيرة ابن إسحاق ، وزعم أنهم قالوه استهزاء وأن اللّه حكاه في سورة الكهف . ويحتمل أن يكونوا تلقفوه ممّا سمعوه في القرآن من وصف قلوبهم وسمعهم وتباعدهم كقوله :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً *
في سورة الإسراء [ 46 ] ، فإن سورة الإسراء معدودة في النزول قبل سورة فصلت . وكذلك قوله تعالى :
وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً
في سورة الإسراء [ 45 ] أيضا ، فجمعوا ذلك وجادلوا به الرسول . فيكون ما في هذه الآية من البلاغة قد اقتبسوه من آيات أخرى . قيل : إن قائله أبو جهل في مجمع من قريش فلذلك أسند القول إليهم جميعا لأنهم مشائعون له . وقد جاء في حكاية أقوالهم ما فيه تفصيل ما يقابل ما ذكر قبله من صفات القرآن وهي
تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
[ فصلت : 2 ، 3 ] ، فإن كونه تنزيلا من الرحمن الرحيم يستدعي تفهمه والانتفاع بما فيه ، فقوبل بقولهم :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ
وكونه فصلت آياته يستدعي تلقّيها والاستماع إليها فقوبل بقولهم :
فِي آذانِنا وَقْرٌ
، أي فلا نسمع تفصيله ، وكونه قرآنا عربيا أشد إلزاما لهم بفهمه فقوبل ذلك بما يقطع هذه الحجة وهو
مِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ
أي فلا يصل كلامه إليهم ولا يتطرق جانبهم ، فهذه تفاصيل إعراضهم عن صفات القرآن .