تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
الآية في سورة البقرة [ 177 ] . والعمل الصالح : هو العمل الذي يصلح عامله في دينه ودنياه صلاحا لا يشوبه فساد ، وذلك العمل الجاري على وفق ما جاء به الدين ، فالعمل الصالح : هو ما وصف به المؤمنون آنفا في قوله :
ثُمَّ اسْتَقامُوا
[ فصلت : 30 ] . وأما
وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فهو ثناء على المسلمين بأنهم افتخروا بالإسلام واعتزوا به بين المشركين ولم يتستروا بالإسلام . والاعتزاز بالدين عمل صالح ولكنه خص بالذكر لأنه أريد به غيظ الكافرين . ومثال هذا ما وقع يوم أحد حين صاح أبو سفيان : اعل هبل ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم قولوا : « اللّه أعلى وأجلّ » فقال أبو سفيان : لنا العزى ولا عزى لكم ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « قولوا اللّه مولانا ولا مولى لكم » . وإنما لم يذكر نظير هذا القول في الصلة المشيرة إلى سبب تنزّل الملائكة على المؤمنين بالكرامة وهي
الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
[ فصلت : 30 ] لأن المقصود من ذكرها هنا الثناء عليهم بتفاخرهم على المشركين بعزة الإسلام ، وذلك من آثار تلك الصلة فلا حاجة إلى ذكره هنالك بخلاف موقعه هنا . وفي هذه الآية منزع عظيم لفضيلة علماء الدين الذين بينوا السنن ووضحوا أحكام الشريعة واجتهدوا في التوصل إلى مراد اللّه تعالى من دينه ومن خلقه . وفيها أيضا منزع لطيف لتأييد قول الماتريدي وطائفة من علماء القيروان وعلى رأسهم محمد بن سحنون : أن المسلم يقول : أنا مؤمن ولا يقول إن شاء اللّه خلافا لقول الأشعري وطائفة من علماء القيروان وعلى رأسهم محمد بن عبدوس فنقل أنه كان يقول : أنا مؤمن إن شاء اللّه . وقد تطاير شرر هذا الخلاف بين علماء القيروان مدة قرن . والحق إنه خلاف لفظي كما بينه الشيخ أبو محمد بن أبي زيد ونقله عياض في « المدارك » ووافقه . وذكرنا المسألة مفصلة عند قوله تعالى :
وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا
في سورة الأعراف [ 89 ] وبذلك فلا حجة في هذه الآية لأحد الفريقين وإنما الحجة في آية سورة الأعراف على الماتريدي ومحمد بن سحنون . والقول في قوله :
وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
كالقول في
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ
[ فصلت : 30 ] . [ 34 ]

[ سورة فصلت ( 41 ) : آية 34 ]

وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 )