تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
[ 33 ]

[ سورة فصلت ( 41 ) : آية 33 ]

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ( 33 ) ليس هذا من حكاية خطاب الملائكة للمؤمنين في الآخرة وإنما هو موجه من اللّه فالأظهر أنه تكملة للثناء على
الَّذِينَ قالُوا : رَبُّنَا اللَّهُ
[ فصلت : 30 ] ، واستقاموا ، وتوجيه لاستحقاقهم تلك المعاملة الشريفة ، وقمع للمشركين إذ تقرع أسماعهم ، أي كيف لا يكونون بتلك المثابة وقد قالوا أحسن القول وعملوا أحسن العمل . وذكر هذا الثناء عليهم بحسن قولهم عقب ذكر مذمة المشركين ووعيدهم على سوء قولهم :
لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ
[ فصلت : 26 ] ، مشعر لا محالة بأن بين الفريقين بونا بعيدا ، طرفاه : الأحسن المصرح به ، والأسوأ المفهوم بالمقابلة ، أي فلا يستوي الذين قالوا أحسن القول وعملوا أصلح العمل مع الذين قالوا أسوأ القول وعملوا أسوأ العمل ، ولهذا عقب بقوله :
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ
[ فصلت : 34 ] . والواو إما عاطفة على جملة
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ
[ فصلت : 30 ] ، أو حاليّة من
الَّذِينَ قالُوا
. والمعنى : أنهم نالوا ذلك إذ لا أحسن منهم قولا وعملا . و
مَنْ
استفهام مستعمل في النفي ، أي لا أحد أحسن قولا من هذا الفريق كقوله :
وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ
الآية في سورة النساء [ 125 ] . و
مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ
: كل أحد ثبت له مضمون هذه الصلة . والدعاء إلى شيء : أمر غيرك بالإقبال على شيء ، ومنه قولهم : الدعوة العباسية والدعوة العلوية ، وتسمية الواعظ عند بني عبيد بالداعي لأنه يدعو إلى التشيّع لآل علي بن أبي طالب . فالدعاء إلى اللّه : تمثيل لحال الآمر بإفراد اللّه بالعبادة ونبذ الشرك بحال من يدعو أحدا بالإقبال إلى شخص ، وهذا حال المؤمنين حين أعلنوا التوحيد وهو ما وصفوا به آنفا في قوله :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا
[ فصلت : 30 ] كما علمت وقد كان المؤمنون يدعون المشركين إلى توحيد اللّه ، وسيّد الداعين إلى اللّه هو محمد صلى اللّه عليه وسلّم . وقوله :
مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ
( من ) فيه تفضيلية لاسم
أَحْسَنُ
، والكلام على حذف مضاف تقديره : من قول من دعا إلى اللّه . وهذا الحذف كالذي في قول النابغة :
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي * على وعل في ذي المطارة عاقل
أي لا تزيد مخافتي على مخافة وعل ، ومنه قوله تعالى :
وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ