تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
أي فهو إبطالهم لخصوص قول المسلمين : الساعة لا ريب فيها . وأما إشكاله من جهة النظم فمرجع الإشكال إلى استثناء الظن من نفسه في قوله :
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا
فإن الاستثناء المفرغ لا يصح أن يكون مفرغا للمفعول المطلق لانتفاء فائدة التفريع . والخلاص من هذا ما ذهب إليه ابن هشام في « مغني اللّبيب » أن مصحح الاستثناء الظن من نفسه أن المستثنى هو الظن الموصوف بما دل عليه تنكيره من التحقير المشعر به التنوين على حد قول الأعشى :
أحل به الشيب أثقاله * وما اغتره الشيب إلا اغترارا « 1 »
أي ، إلا ظنا ضعيفا . ومفعولا
نَظُنُّ
محذوفان لدليل الكلام عليهما . والتقدير : إن نظن الساعة واقعة . وقولهم :
وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
يفيد تأكيد قولهم
ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا
، وعطفه عطف مرادف ، أي للتشريك في اللفظ . والسين والتاء في
بِمُسْتَيْقِنِينَ
للمبالغة في حصول الفعل . [ 33 ]

[ سورة الجاثية ( 45 ) : آية 33 ]

وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 33 ) عطف على جملة
أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ
[ الجاثية : 31 ] باعتبار تقدير : فيقال لهم ، أي فيقال لهم ذلك
وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا
، أي جمع لهم بين التوبيخ والإزعاج فوبخوا بقوله :
أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ
إلى آخره ، وأزعجوا بظهور سيئات أعمالهم ، أي ظهور جزاء سيئاتهم حين رأوا دار العذاب وآلاته رؤية من يوقن بأنها معدة له وذلك بعلم يحصل لهم عند رؤية الأهوال . وعبر بالسيئات عن جزائها إشارة إلى تمام المعادلة بين العمل وجزائه حتى جعل الجزاء نفس العمل على حد قوله :
فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
[ التوبة : 35 ] . ومعنى
حاقَ
أحاط . و
ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
يعم كلّ ما كان طريق استهزاء بالإسلام من أقوالهم الصادرة عن استهزاء مثل قولهم :
إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
[ الجاثية : 32 ] .
هامش
( 1 ) روي بالعين المهملة في اللفظين وبالغين المعجمة وهو أظهر . . .