تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
[ 30 - 32 ]

[ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 30 إلى 32 ]

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ( 30 ) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 31 ) وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ( 32 ) الفاء لعطف المفصل على المجمل ، وهو تفصيل لما أجمل في قوله :
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً
[ الجاثية : 28 ] وما بينهما اعتراض . فالكلام هنا هو متصل بقوله :
وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً
كما دل عليه قوله :
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ
. وابتدئ في التفصيل بوصف حال المؤمنين مع أن المقام للحديث عن المبطلين في قوله :
يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ
[ الجاثية : 27 ] تنويها بالمؤمنين وتعجيلا لمسرتهم وتعجيلا لمساءة المبطلين لأن وصف حال المؤمنين يؤذن بمخالفة حال الآخرين لحالهم . والتعبير ب ( يدخلهم في رحمته ) شامل لما تتصوره النفس من أنواع الكرامة والنعيم إذ جعلت رحمة اللّه بمنزلة المكان يدخلونه . وافتتح بيان حال الذين كفروا بما يقال لهم من التوبيخ والتقرير من قبل اللّه تعالى ، فقوله :
أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي
مقول قول محذوف لظهور أن ذلك خطاب صادر من متكلم من جانب اللّه تعالى فيقدر فيقال لهم على طريقة قوله بعد
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ
[ الجاثية : 34 ] . والفاء جواب
أَمَّا
، أو فيقال لهم
أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ
فلما حذف فعل القول قدم حرف الاستفهام على فاء الجواب اعتدادا باستحقاقه التصدير كما يقدم الاستفهام على حروف العطف . ولم يتعدّ بالمحذوف لأن التقديم لدفع الكراهة اللفظية من تأخر الاستفهام عن الحرف وهي موجودة بعد حذف ما حذف . والاستفهام توبيخ وتقرير . والمراد بالآيات القرآن ، أي فاستكبرتم على الأخذ بها ولم تقتصروا على الاستكبار بل كنتم قوما مجرمين ، أي لم تفدكم مواعظ القرآن صلاحا لأنفسهم بما سمعتم منه . وإقحام
قَوْماً
دون الاقتصار على : وكنتم مجرمين ، للدلالة على أن الإجرام صار خلقا لهم وخالط نفوسهم حتى صار من مقومات قوميتهم وقد قدمناه غير مرة .
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 385 | الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور