تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور ) — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
إسرائيل من مصر ، أو أراد : فاعتزلوني زمنا ، يعني إلى أن يعيّن له اللّه زمن الخروج . وعدّي
تُؤْمِنُوا
باللام لأنه يقال : آمن به وآمن له ، قال تعالى :
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ
[ العنكبوت : 26 ] ، وأصل هذه اللام لام العلة على تضمين فعل الإيمان معنى الركون . وقد جاء ترتيب فواصل هذا الخطاب على مراعاة ما يبدو من فرعون وقومه عند إلقاء موسى دعوته عليهم إذ ابتدأ بإبلاغ ما أرسل به إليهم فآنس منهم التعجب والتردد فقال :
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ
، فرأى منهم الصلف والأنفة فقال :
وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ
فلم يرعووا فقال :
إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ
، فلاحت عليهم علامات إضمار السوء له فقال :
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ
، فكان هذا الترتيب بين الجمل مغنيا عن ذكر ما أجابوا به على أبدع إيجاز . [ 22 ]

[ سورة الدخان ( 44 ) : آية 22 ]

فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ( 22 ) التعقيب المفاد بالفاء تعقيب على محذوف يقتضي هذا الدعاء إذ ليس في المذكور قبل الفاء ما يناسبه التعقيب بهذا الدعاء إذ المذكور قبله كلام من موسى إليهم ، فالتقدير : فلم يستجيبوا له فيما أمرهم ، أو فأصرّوا على أذاه وعدم متاركته فدعا ربه ، وهذا التقرير الثاني أليق بقوله :
أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ
. وهذا كالتعقيب الذي في قوله تعالى :
فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ
[ الشعراء : 63 ] ، وقوله :
أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ
اتفق القراء العشرة على قراءته بفتح الهمزة وشد النون فما بعدها في قوة المصدر ، فلذلك تقدر الباء التي يتعدّى بها فعل ( دعا ) ، أي دعا ربه بما يجمعه هذا التركيب المستعمل في التعريض بأنهم استوجبوا تسليط العقاب الذي يدعو به الداعي ، فالإخبار عن كونهم قوما مجرمين مستعمل في طلب المجازاة على الإجرام أو في الشكاية من اعتدائهم ، أو في التخوف من شرهم إذا استمرّوا على عدم تسريح بني إسرائيل ، وكل ذلك يقتضي الدعاء لكف شرّهم ، فلذلك أطلق على هذا الخبر فعل دعا . [ 23 ]

[ سورة الدخان ( 44 ) : آية 23 ]

فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 ) تفريع على جملة
أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ
[ الدخان : 22 ] ، والمفرّع قول محذوف دلت عليه صيغة الكلام ، أي فدعا فقلنا : أسر بعبادي . وقرأه نافع وابن كثير وأبو جعفر
فَأَسْرِ
بهمزة وصل على أنه أمر من ( سرى ) ، وقرأه الباقون بهمزة قطع من ( أسرى )